بل لم يسلم منهم المسيح ـ عليه السلام ـ فعندهم أن المسيح عيسي بن مريم ـ عليه السلام ـ من نسل الزنى. وذلك طبقاً لما ورد في إنجيل متى (1-10) (أن عيسى بن سليمان بن داوود و جدهم الأكبر فارض الذي هو من الزنا من يهوذا بن يعقوب) .
فلو حاكمناهم إلى كتابهم لما وجدنا ما يقولونه عيبًا. وإنما أردت من هذا العرض أن يعلم القارئ أن القوم لا يقدسون أحدًا إلا الأحبار والرهبان، الذين يعتقدون فيهم العصمة، وأنهم لو تحاكموا لكتابهم ما عابوا شيئًا على محمد صلى الله عليه وسلم مما يفترونه عليه.
ثم لم يكن الحبيب صلى الله عليه وسلم هذا الشخص الذي تأخذه النظرة، ويجري وراء النساء هنا وهناك، كما يفترون، وسيرته شاهد على ذلك. فقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد وهو ابن أربعةٍ وعشرين عامًا وهي بنت أربعين عامًا. وكانت متزوجة ً من رجلين قبله. وظل معها خمسةً وعشرين عامًا... إلى أن تُوفيت رضي الله عنها،أي حتى بلغ عمره الخمسين، وكانت هي في الخامسة والستين. أي أنه قضى معها فترة الشباب، ولم يكن يومها دينٌ يمنع، بل كانت هناك الرايات الحمر تنصب على البيوت، وهي رايات البغايا تنادي الرجال، ولم ُيسمع أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كانت له نزوات الشباب التي لم تكن محرمة في ذلك اليوم. بل كان الداعي إليها لا يَمَلُّ النداء. ثم ماتت خديجة رضي الله عنه وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيَّا لها بعد وفاتها يذكرها بخير، حتى قالت أم المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها: كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يومًا من الأيام، فأخذتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزًا قد أبدلك الله خيرًا منها، فغضب ثم قال:"لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء". وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم:"خير نسائها خديجة بنت خويلد، وخير نسائها مريم بنت عمران".
وفي البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ
أتسائل: أهذا حال من يبحث عن الشهوة؟
كم كان عمر خديجة يوم ماتت؟
خمس وستون عامًا.
فعلم يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أعلى شهوة كان يقضيها معها؟
وما يُشتهى في امرأة قاربت السبعين من عمرها.
بل والله على ألفة وعشرة. وتلك شيم الرجال..
أخو الخنا... لا يقر له قرار، ولا يعرف الألفة والعشرة، وإنما يوم هنا ويوم هناك.
ماتت خديجة وتركت للنبي صلى الله عليه وسلم، ستةً من الأبناء... أربعة بنات منهن من قارب سن الزواج، وولدان صغيران....
ولم يفكر صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه في الزواج، بل ظل فترة من الزمن بلا زواج حتى جاءته خولة بنت حكيم رضي الله عنها زوجة عثمان بن مظعون وعرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزواج من ثيب عجوز... هي سودة بنت زَمْعَة رضي الله عنها، وأرضاها لتكون أمًا لأولاده، وعرضت عليه صلى الله عليه وسلم الزواج من عائشة رضي الله عنها لتوطد العلاقة بينه وين صاحبه أبي بكر رضي الله عنه. فتزوج بعد ذلك بسودة رضي الله عنها وكانت امرأة ضخمة ثبطة (بطيئة الحركة) مُصبية (ذات أولاد) لا حاجة لها في الرجال. هكذا يصفونها. وليس هذا حال من يبحث عن شهوته، وإنما حال من يبحث عن أم لأولاده الست الذين تركتهم له خديجة رضي الله عنها.
وتزوج من عائشة رضي الله عنها، ولم يكن الزواج في هذا السن (التاسعة) عيب، فقد كان تكلم لخطبة عائشة رضي الله عنها جبير بن المطعم بن عدي قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الأمر ـ زواج الكبير من الصغيرة ـ أمر عادي في هذه الأيام فقد تزوج عبد المطلب مع ابنه عبد الله ببنت عم آمنة بنت وهب التي في نفس سنها في ليلة واحدة، وكان يومها قد تجاوز المائة عام. وتزوج عمرو بن العاص وأنجب وهو بن اثنا عشر عامًا.
ولو كان في هذا الأمر عيب لم تكن قريش واليهود ليتركونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين كانوا يفتعلون الأكاذيب للنيل منه صلى الله عليه وسلم.
ومريم العذراء أنجبت المسيح عليه السلام وهي في الثانية عشر من عمرها، كما تقول الموسوعة الكاثوليكية، أي أنها حملت وهي في الحادية عشر، وكانت مخطوبة قبل ذلك، وكان يوسف النجار خطيبها قد تجاوز الثمانين من عمره.