فهرس الكتاب

الصفحة 3190 من 3657

وهذا الطرح لا بد أن يعمل على ربط العقيدة الصحيحة... وأهداف الدعوة الكلية التي هي تعبيد الناس لله بأحداث السيرة النبوية.

وهذا يستلزم قراء جديدة للسيرة النبوية، ولعل فيما يأتي مزيد بيان

سابعا: طبيعة الخطاب الدعوي في مكة وحدة الأهداف والمنطلقات:

في الجاهلية الأولى كان المال دولة بين الأغنياء... قِلَّة غنية وكَثرة بالكاد تجد قوت يومها.

وفي الجاهلية الأولى كانت الحروب تأكل الرجال على ناقة أو لأن فرسًا سبقت أختها.! وفي الجاهلية الأولى كان الزنا وكانت الخمر وكان وأد البنات وبيع الأحرار. وفي الجاهلية الأولى كان الشرك الأكبر (شرك النسك وشرك الطاعة) ... تُدعى الأصنام من دون الله ويُنذر لها ويُذبح عندها، وكان شرك الطاعة... يُشَرِّع الملأ ويتبع العوام. ولم تخل الجاهلية من المصلحين، الذين يسعون في إصلاح ذات البين وحقن الدماء ورفع الظلم عن الضعفاء.

وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يضع يده في يد أحد من هؤلاء ألبته. بكلمات أخر:

رُغم أن الدعوة الإسلامية كانت تدعوا لمثل ما كان يدعو إليه كثير من المصلحين من مكارم الأخلاق إلا أنها لم تضع يدها في يد أحد من هؤلاء.

ذلك لأنه وإن اتحدت الأهداف فإن المنطلقات متغايرة. فهؤلاء دوافعهم شتى.. تدفعهم المروءة ويدفعهم الثناء الحسن ويدفعهم عرف الآباء، أما المسلمون فيدفعهم طاعة الله ورسوله ولا ينبغي أن يكون لهم دافع غير ذلك.

وهؤلاء تقف أهدافهم عند إصلاح الدنيا؛ والمسلمون يصلحون الدنيا للآخرة.

وشتان.

ومن يتدبر أحداث السيرة النبوية وما كان يَتَنَزَلُ في بداية البعثة يجد أن الدعوة الإسلامية بدأت بتعريف الناس بربهم.. بأسمائه وصفاته وآثار ذلك في مخلوقاته.. كيف أنه الحي القيوم الرحيم الرحمن ذي الجلال والإكرام مالك الملك القريب المجيب.. الخ، ثم بترسيخ نظرية الثواب والعقاب وذلك بتعريفهم بالجنة (دار الثواب) وبالنار (دار العقاب) ، وقُصَّ عليهم خبر من سبقوا، مَن أطاعوا منهم كيف كانت عاقبتهم ومن عصوا منهم ماذا فعل الله بهم. واقرءوا ما نزل من القرآن في مكة.

ثم جاءت التشريعات باسم الله الذي عرفوه بأسمائه وصفاته وبَيْنَ يدي الثواب والعقاب.

فمثلاً قيل لهم: الله ـ الذي عرفوه ـ يأمركم بالصلاة، ومن فعل فله الجنة ـ التي عرفوها ـ ومن عصى فله النار ـ التي عرفوها ـ.

والله الذي عرفتموه يأمركم بالزكاة ومن أطاع فثوابه الجنة التي عرفتموها، ومن عصى فله النار التي عرفتموها.

لذا استقامت النفوس محبه ورهبة لله وخوفًا من النار وطمعا في الجنة.

وبهذا يتضح منطلق الدعوة الإسلامية وهدفها، وهو تعبيد الناس لله... تعريفهم بربهم ليعظموه ويوقروه ويسبحوه، وإصلاح الدنيا ـ يجيء تبعًا وليس أصلاً ـ، ثم الفوز بالجنة.

ولهذا لم يرتد من أسلم، ولم يتلكأ في سيره إلى الله.

وعلى من يعرض السيرة النبوية على الناس ـ أو يقرؤها ـ عليه أن يلتفت لهذا. وأن ينتبه إلى أن الخطاب الدعوي كان في الأساس أخروي تنطلق منه باقي شئون الحياة.

وفي بيعة العقبة الثانية وغيرها من أحداث العهد المكي دليل على ذلك.

وأزيد الأمر بيانًا فأقول:

نعم. في العهد المكي كانت الدعوة الإسلامية في خطابها الموجه للجاهلية يومها، كانت مصرة على أن تبدأ من اليوم الآخر ترغيبا وترهيبا.

تحاول أن تجعل القلوب معلقة بما عند ربها ترجوا رحمته وتخشى عقابه. ويكون كل سعيها دفعا للعقاب وطلبًا للثواب فتكون الدنيا بجملتها مطية للآخرة.

على هذا تربى الصحابة رضوان الله عليهم.بل ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أيضا تربى على هذا المعني ، فقد كان يتنزل عليه بأبي هو وأمي وأهلي صلى الله عليه وسلم (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) [يونس: 40] (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) .

ولهذا استقامت النفوس تبذل قصارى جهدها في أمر الدنيا ترجوا به ما عند الله فكان حالهم كما وصف ربهم (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ)

فهذا وصف للظاهر (رُكَّعاً سُجَّداً) ووصف للباطن (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) ، والسياق يوحي بأن هذه هي هيئتهم الملازمة لهم التي يراهم الرائي عليها حيثما يراهم. كما يقول صاحب الظلال رحمه الله.

واقرأ آيات الأحكام في كتاب الله لتطالع هذا الإصرار من النص القرآني على وضع صورة الآخرة عند كل أمر ونهي ضمن السياق بواحدة من دلالات اللفظ، المباشرة منها أو غير المباشر (دلالة الإشارة أو التضمن أو الاقتضاء أو مفهوم المخالفة.. الخ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت