فمثلا يقول الله تعالى: (ويْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
فتدبر كيف يأتي الأمر بعدم تطفيف الكيل حين الشراء وبخسه حين البيع؟ ومثله قول الله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)
فهنا أمر بالسعي على الرزق، وتذكير بأن هناك نشور ووقوف بين يدي الله عز وجل، فيسأل المرء عن كسبه من أين أتى وإلى أين ذهب؟
بل واقرأ عن الآيات التي تتحدث عن الطلاق في سورة البقرة تجد أنها تختم باسم أو اسمين من أسماء الله عز وجل"... فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ""... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ""... وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ""... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"".... إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"
وهذا لا شك استحضار للثواب والعقاب.
ومثله الآيات التي تأمر بالحجاب تُختم بـ (إن ذلكم كان عند الله عظيمًا) و (.. وكان الله غفورًا رحيمًا) .
نعم كان هذا أسلوب القرآن العظيم في عرض قضايا الشريعة كلها وهذه بعض الآيات والأحاديث في هذا الشأن تزيد الأمر وضوحًا:
في الظِّهار انظر كيف يربط الله تعالى أداء الكفارة بالإيمان به وبرسوله: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وانظر كيف جعل الله تعالى تحكيم شرعة شرط للإيمان به: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)
وفي الحديث:"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" [البخاري كتاب الإيمان الحديث رقم 13 ترقيم العالمية] .
وفي البخاري أيضا الحديث 14 كتاب الإيمان"فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ"
وفي البخاري حديث رقم 6135 كتاب الأدب:"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ... الحديث".
ومثل هذا كثير في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
هذا ما تربى عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وإنا نجد في كتاب ربنا أننا ملزمون بالسير على دربهم واقتفاء آثارهم قال الله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً)
وقال الله تعالى: (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
أقول: ملزمون إذا بالتعريج على التوحيد وتصحيح المفاهيم فيه لإخواننا وأخواتنا، وبناتنا ونسائنا وكل عزيز علينا، ليكون حالهم مع الأمر والنهي... كل الأمر والنهي كحال من سبقوا؟!
وحينها... حين يتعرفون على ربهم جيدًا، حين يعرفون مصيرهم بعد الموت، لن تجد كثير مشاغبة في الامتثال للأمر.
دعني أوسع الأمر أكثر من هذا وأقول:
لم لا نبدأ مخاطبة (الآخر) بالتوحيد نقول لهم: آمنوا بربكم الذي خلقكم ورزقكم وأحياكم ويميتكم ثم يحاسبكم؟
لم لا ننادي فيهم: أسلموا قبل أن تكونوا من جثي جهنم التي وصفها كذا وكذا؟
أسلموا كي لا تحرموا جنة فيها وفيها...؟
ويدور الحوار حول دلائل صدق الخبر ومَطْلَبْ المخبر.
أسذاجة؟
لا وربي.فهكذا نشأت خير أمّة أخرجت للناس.
وعلى من يشرح السيرة النبوية للناس عليه أن يوضح ذلك لهم، من خلال مواقف الدعوة في العهد المكي والعهد المدني، ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة، وبما كان يخاطب الناس، وكيف كان يعلمهم التوحيد ويربهم عليه.
نعم. نحن بحاجة إلى قراءة جديدة للسيرة النبوية نبين فيها للناس أهداف الدعوة الإسلامية ومنطلقاتها... نحتاج هذا الطرح الفكري اليوم أكثر من أي يوم مضى.
فاليوم قامت بعض الفصائل الإسلامية بالتحالف مع الأحزاب ذات التوجهات اليسارية، وتوجهت إلى الجماهير بخطاب دنيوي بحت ونادت بشرع الله من باب الأفضلية... لأنه خير من غيره، أو لأنه هو الأنسب لإصلاح الدنيا، فيُقبل من يُقبل وليس عنده هدف سوى ما فهمه من هذا الخطاب الدعوي المنقوص.