يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ] (الأعراف: 87) ، أفي هذا عيْب؟ ولكن انظر ما ردّ الملأ [ قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ] (الأعراف: 88) . الموقف من الدعوة ورجالها هو هو، المنطق نفسه يتكرر، ولا يكاد يتغير، يعرفون الحق ويستيقنون منه تماماً ثم لا يتبعونه، وليت الأمر بقي على هذا فالبلية به خفيفة، بل يعلنون أنه لا هوادة، ولا مقام مع الحق وأهله. وانظر إلى هذه الآيات من سورة إبراهيم كيف أنها تكلمت بألسنتهم مجتمعين على تفرقهم زماناً ومكاناً - كأنهم فردٌ واحد - قال - تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ](إبراهيم: 9-13) . فانظر كيف أن الخيار بين أمرين لا ثالث لهما: [لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (إبراهيم: 13) ، وكيف أن هذا هو كلام الكفار جميعهم في مختلف أزمنتهم [قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ] (إبراهيم: 9) .
وما أريده هو أن أسلط الضوء على هذا النوع المجرم من الناس. الذي لا يريد الحق أبدًا... يكره الحق وهو يعرفه، ويعرف ما فيه من الخير. يلبس الحق على عوام الناس... يحاول أن يضلهم.
هذا النوع من الناس موجود في كل زمان ومكان، وهو الذي يختلق المتشابه في القرآن. هو الذي يفتعل المتشابه كذبًا وبهتانا كي يلبس على الناس دينهم.
وإن تدبرت وجدت أن الجهاد في الشريعة يستهدف هؤلاء الناس. وبمجرد القضاء عليهم يدخل الناس في دين الله أفواجًا.
والمطلوب حين عرض السيرة النبوية أن تكون هناك تحليلات لمواقف الملأ الذين استكبروا من الدعوة النبوية، وكيف أنهم كانوا يعرفون الحق ويعاندونه... كيف أنهم كانوا يحاربون الحق وهم يعلمون ما فيه من الخير.
عاشرًا: الدعوة الإسلامية والخصوصية في المفاهيم والتصورات.
للشريعة الإسلامية خصوصية في الاستعمالات اللغوية للألفاظ ولها خصوصية في المفاهيم والتصورات.
أولا: خصوصية الشريعة الإسلامية في الاستعمالات اللغوية للألفاظ.
مثلا كلمة (الآذان) في اللغة:الإعلام.. مطلق الإعلام.
ومنه قول الشاعر:
آذنتنا بِبَينِها أسماء رب ثاوٍ يَمَلُّ منه الثِّواء
وخصص الشرع المعنى فجعله إعلام مخصوص عن شيء مخصوص ـ الصلاة المفروضة ـ بصيغة مخصوصة ـ صيغة الآذان الحالية.
وكذا الصوم. مطلق الإمساك في اللغة، ومنه قولِ الله تعالى على لسان مريمَ عليها السلام (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً) . وفي الشرع: إمساك مخصوص (عن الطعام والشراب والشهوة) في وقت مخصوص (من الفجر حتى غروب الشمس) . بنية مخصوصة، وهي نية القربى من الله تعالى بأداء ما افترضه علينا أو ما انتدبنا إليه.
وكذا التيمم في اللغة القصد... مطلق القصد.
ومنه قول الشاعر:
تيممتُ مصر أطلب الجاه والغنى *** فنلتهما في ظل عيش مُمنَّع
وزرت ملوك النيل ارتاد نيلهم * * * فأحمد مرتادي وأخصب مربعي
فكلمة تيممت هنا تعني قصدت.
وفي الشرع تستخدم كلمة التيمم للدلالة على أمر مخصوص، وهو بديل الوضوء عند فقده حقيقة أو حكمًا، وهو مشروح تفصيله في كتب الفقه.