وكلمة الإيمان في اللغة التصديق الجازم ومنه قوله تعالى (... وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) قولةُ إخوةُ يوسف لأبيهم، استعمل فيها الإيمان بمعناه اللغوي أي (بمصدق لنا) .
ولكن إذا أطلقت لفظة الإيمان في الشرع فإنها تدل على تصديق مخصوص. وهو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم المستلزم للإذعان بالجوارح.
أو قل: معرفةٌ بالقلب والتي يسميها علماء العقيدة"قول القلب"تولد هذه المعرفة يقينا في القلب وهو ما يسمى عند علماء العقيدة بعمل القلب تنضبط بموجبه به الجوارح. قوة وضعفا... وجودًا وعدمًا.
هذا هو دلالة لفظ الإيمان حين يستخدمه الشرع (على تفصيل لا يناسبه المقام)
وأحيانا يستعمل الشرع الألفاظ بذات الدلالة اللغوية لها، فمثلا كلمة الآذان التي تكلمنا عليها، جاءت بمعناها اللغوي في القرآن الكريم"فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء، وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون" [ الأنبياء: 109] . فآذنتكم هنا بمعنى أعلمتكم، استخدمت بمعناها اللغوي.
وقول الله تعالى"فأذنوا بحرب من الله"أي كونوا على علم. أو: أعلموا كل من لم يترك الربا بحرب من الله ورسوله.
وكذا كلمة التيمم جاءت في سورة البقرة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [البقرة: 267 ] أي ولا تقصدوا الخبيث وتنفقوا منه،.
وكلمة الصلاة"إن الله وملائكته يصلون على النبي. يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"قال بن كثر في تفسير هذه الآية، قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثنائه عليه ـ أي على النبي صلى الله عليه وسلم ـ، وصلاة الملائكة الدعاء.
والمعنى يتضح من دِلالة السياق.
والمقصود مما تقدم أن الشرع وإن كان قد استخدم اللغة العربية لبيان مراد الله من عباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لم يستخدمها بذات المعاني، وإنما كانت له خصوصية في استعمالها. فدلالته اللغوية غير دلالته الشرعية، وإن تقاطعت المعاني وتطابقت أحيانا.
ثانيا: خصوصية الشريعة الإسلامية في المفاهيم والتصورات.
للشريعة الإسلامية أيضا خصوصية في المفاهيم والتصورات، ولا تكاد تجد مفهوم من المفاهيم التي تعارف عليها الناس إلا وللشريعة الإسلامية خصوصية فيه.
مثلا: مفهوم الرزق... تحصيل الرزق. أعني تحصيل الرزق على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمة ـ ما يقولون عنه الرقي المادي ـ، الناس لهم أسباب مادية يسلكونها في تحصيل رزقهم.
والشرع له خصوصية في هذا الأمر، فهو يتكلم عن أسباب أخرى مضافة إلى معالجة الأسباب المادية قال تعالى:
"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" [ الأعراف: 96]
وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 53)
وقال تعالى:"ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم" [ المائدة: 66 ]
مثال آخر: من أين يأتي البلاء؟
الناس يقولون كلامًا كثيرًا.. نعرف منه وننكر.
والشرع يعطي مفهوما آخر:"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير" [ الشورى: 30] .
"أو لما أصابتكم مصيبة قلت أنى هذا قل هو من عند أنفسكم" [ آل عمران: 165]
والنصر والتمكين كيف الوصول إليه؟: (.... وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج من الآية: 40)
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55)
والأمر أوسع من هذا فهناك خصوصية في كل المفاهيم تقريبا. الكبر.. البر.. وفي مفهوم المعركة من حيث أسباب النصر فيها ومن حيث جنودها الذين يحضرون القتال.. الخ.
وإنما أردت هنا لفت النظر فقط.
لماذا الكلام في الخصوصية؟
لأمور أركز على اثنين منها.
أولهما: فيه نقض لاستدلالات أصحاب الفرق الضالة.