فهرس الكتاب

الصفحة 3204 من 3657

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: « كما أن الله نهى نبيّه أن يصيبه حزن أو ضيق ممن لم يدخل في الإسلام في أول الأمر فكذلك في آخره ؛ فالمؤمن منهي أن يحزن عليهم أو يكون في ضيق من مكرهم . وكثير من الناس إذا رأى المنكر ، أو تغير كثير من أحوال الإسلام: جزع وكلَّ وناح كما ينوح أهل المصائب وهو منهي عن هذا بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام ، وأن يؤمن بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، وأن العاقبة للتقوى ، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه ، فليصبر إن وعد الله حق ، ويستغفر لذنبه ، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار » [4] .

وفي هذه الورقات القليلات نظرات شرعية عاجلة لموضوع ( المقاطعة ) ، حاولت فيها الوصول لحكم شرعي فقهي فيها .

* أولاً: تعريف المقاطعة الاقتصادية:

المقاطعة مفاعلة من القطع . يقال: قطعه يقطعه قطعاً .

والقطع: إبانة بعض أجزاء الجرم من بعضٍ فصلاً [5] .

والقطع والقطيعة: الهجران ضد الوصل [6] .

والبضاعة: السلعة ، وأصلها القطعة من المال الذي يتجر فيه ، وقيل جزء من أجزاء المال تبعثه للتجارة [7] .

والسلعة: ما تُجر به والمتاع ، وجمعها: سِلَع [8] .

قال في المنجد الأبجدي: ( المقاطعة: عدم التعامل مع شخصٍ أو شركة أو مؤسسة أو دولة ، ومنه مقاطعة بلد لمنتجات وحاصلات بلدٍ آخر ) [9] .

وقال في المعجم الوسيط: ( المقاطعة: الامتناع عن معاملة الآخرين اقتصادياً أو اجتماعياً وفق نظام جماعي مرسوم ) [10] .

وشاع استعمال المقاطعة في الامتناع عن شراء منتجات من يحارب المسلمين أو يعينهم دون الامتناع عن البيع ؛ وذلك لأن أهل الإسلام صاروا مستهلكين ، وقل الإنتاج فيهم .

* ثانياً: قواعد ومقدمات:

وهي سبع أسردها تباعاً ..

الأولى: جواز معاملة الكفار .

الأصل أنه يجوز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو حرب [11] إذا وقع العقد على ما يحل ، ولا يكون ذلك من موالاتهم [12] .

عن عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما - قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبيعاً أم عطيّة ؟ أو قال: أم هبة ؟ قال: لا ، بل بيع . فاشترى منه شاةً [13] .

وقد بوّب البخاري على هذا الحديث في صحيحه: باب البيع والشراء مع المشركين وأهل الحرب .

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي بأن يكاتب ، والمكاتبة أن يشتري العبد نفسه من سيده ، وكان سيده يهودياً [14] .

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن درعه مرهونة عند رجل من يهود على ثلاثين صاعاً من شعير أخذها رزقاً لعياله [15] .

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل [16] .

وسواء في ذلك أن يسافر المسلم لبلد الكفار وديار الحرب أو يجيء الكافر لبلاد الإسلام ليبيع أو يشتري .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « وإذا سافر الرَّجل إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر - رضي الله عنه - في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام ، وهي حينذاك دار حرب ، وغير ذلك من الأحاديث » [17] .

عن الحسن قال: كتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -: أن تجار المسلمين إذا دخلوا دار الحرب أخذوا منهم العُشر . قال فكتب إليه عمر: خذ منهم إذا دخلوا إلينا مثل ذلك: العشر [18] .

قال الحافظ ابن حجر: « تجوز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم على المتعامَل فيه ، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم » [19] .

هذا هو الأصل العام في معاملة الكفار .

يستثنى من هذا الأصل مسائل ؛ منها:

أنه لا يجوز أن يبيع المسلم للكفار ما يستعينون به على قتال المسلمين . لقوله تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان ) ( المائدة: 2 ) .

قال ابن بطال: « معاملة الكفار جائزة ، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين » [20] .

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن معاملة التتار ، فأجاب: ( يجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم ، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم ... فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالاً محرماً فهذا لا يجوز .. في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: « لعن في الخمر عشرة: لعن الخمر ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وبائعها ، ومبتاعها ، وساقيها ، وشاربها ، وآكل ثمنها » [21] . فقد لعن العاصر وهو إنما يعصر عنباً يصير عصيراً ، والعصير حلال: يمكن أن يتخذ خلاً ودبساً وغير ذلك ) [22] .

وسواء كان ذلك وقت الحرب بين المسلمين والكفار أو وقت الموادعة والهدنة بينهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت