فهرس الكتاب

الصفحة 3205 من 3657

قال السرخسي: ولا يمنع التجار من حمل التجارات إليهم إلا الكراع [23] والسلاح والحديد ؛ لأنهم أهل حرب ، وإن كانوا موادعين ؛ ألا ترى أنهم بعد مضي المدة يعودون حرباً للمسلمين ، ولا يمنع التجار من دخول دار الحرب بالتجارات ما خلا الكراع والسلاح ؛ فإنهم يتقوون بذلك على قتال المسلمين فيمنعون من حمله إليهم ، وكذلك الحديد ؛ فإنه أصل السلاح . قال الله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) ( الحديد: 25 ) [24] .

وهذه المسألة من معمولات سد الذرائع المفضية إلى المفاسد ، ومن أمثلة قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد .

الثانية: وسائل التعامل مع الكفار .

شراء بضائع الكفار يتخذ في هذا العصر صوراً متعددة ، وله وسائل لا بد من معرفتها ليتم الحكم عليها من خلالها . ولعله يمكن حصرها في الصور الآتية:

1 -الشراء المباشر من الكافر الذي يبيع أو يصنع أو ينتج السلعة ، وهذا آكد ما يشمله حديثنا .

2 -الشراء من خلال وسيط ( سمسار ) ؛ حيث يكون لديه علم بعدد من المصانع والشركات المنتجة ، فيقوم بالتنسيق والتقريب بين المشتري وبين المنتج أو المصنع ، ويتولى كتابة وثيقة البيع بين الطرفين ، وكل ذلك مقابل نسبة يستلمها الوسيط من الشركة أو المصنع المصدّر [25] .

وهنا تكون الأموال مدفوعة للبائع الأصلي فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة .

3 -الشراء من ( وكيل بالعمولة ) إذ يستورد البضائع باسمه ولحسابه هو ، وتجري معاملاته باسمه أو بعنوان شركة ما ، ثم ينقل الحقوق والالتزامات إلى موكله تنفيذاً لعقد الوكالة المبرم بينهما مقابل أجرة تسمى: ( عمولة ) [26] .

والفرق بينه وبين الذي قبله أن هذا يستورد البضائع ويبقيها لديه معروضة ليبيعها باسمه هو ، ويتم التعاقد معه أو مع شركته ، ثم بعد ذلك يسلم للمنتج أو المصنع قيمة المبيع ويطالبه بالالتزامات . أما الأول فإنه وسيط فقط يربط بين الطرفين ، ثم تنتهي مهمته . وفي هذه الحالة تكون الأموال أيضاً مدفوعة للبائع الأصلي ؛ فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة ، إلا أن المقاطعة تضر بهذا الوكيل أيضاً لتحمله تخزين وعرض البضائع .

4 -شراء بضائع أصلها من صنع الكفار ، وجرى تصنيعها داخل بلاد المسلمين على يد شركة مسلمة تأخذ امتياز تصنيعها من الشركة الأصلية مقابل مبلغ مالي يدفعه صاحب امتياز التصنيع للشركة الأصلية بشكل دوريّ . وهنا يستفيد أولاً من البيع: الشركة المسلمة وتتضرر هي أولاً من المقاطعة . أما الكافر فيكون ضرره غير مباشر من خلال ما قد يعرض لصاحب امتياز التصنيع من الاستغناء عن حق الامتياز المذكور فيتوقف عن مواصلة دفع ما يقابله .

5 -الشراء من مسلم اشترى بضائع صنعها الكفار أو أنتجوها ؛ فهنا المتضرر من المقاطعة أولاً المسلم الذي اشترى البضاعة . مع أن المقاطعة تضر الكافر إذا امتنع التاجر المسلم من شراء منتجاته مرة أخرى لعدم رواجها .

الثالثة: أنواع بضائع الكفار .

البضائع عموماً سواء باعها كفار أو مسلمون ، إما أن تكون ضرورية أو حاجيّة أو تحسينية [27] .

ولا شك أن بينها فرقاً كبيراً ؛ فالشرع جاء بالتفريق بين الضروري وغيره ، وأباح المحرم عند الاضطرار قال تعالى: ( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) ( الأنعام: 119 ) .

وقعّد أهل العلم قاعدة: « لا محرم مع اضطرار » [28] . مستندين لنصوص متوافرة من أدلة الشرع تقررها . ومعلوم أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة إذا كانت عامّة [29] .

وعليه فإننا لا بد أن نفرّق بين بضاعة ضروريّة لا غنى عنها كالدقيق مثلاً ، أو حاجيّة عامة كبعض المراكب وبين التحسينيات من أنواع الألبسة والكماليات ونحوها .

ومن شواهد ذلك في موضوعنا ما جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنّه كان يأخذ من النبط من القِطْنيّة ( وهي الحبوب التي تطبخ ) العُشْر ، ومن الحنطة والزيت نصف العشر ؛ ليكثر الحَمْل إلى المدينة [30] . فقد خفف عمر رضي الله عنه ما يأخذه منهم للمصلحة في ذلك ؛ فإن في الحنطة معاش الناس .

ومن هذا نقول: إنّه يخفف في أمور الضرورات والحاجيات العامة ويراعى فيها ما لا يراعى في غيرها.

قال الشاطبي: « الأمور الضرورية إذا اكتنفها من خارج أمور لا تُرضى شرعاً فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج » [31] .

الرابعة: سد الذرائع .

سد الذرائع من الأدلة المستعملة عند أهل العلم . والمراد بها منع الجائز لئلا يتوصّل به إلى الممنوع [32] .

ونتيجة إعمالها: تحريم أمرٍ مباح لما يفضي إليه من مفسدة .

وأداء الوسيلة إلى المفسدة: إما أن يكون قطعياً أو ظنيًّا أو نادراً .

فإن كان قطعياً: فقد اتفق العلماء على سدّه والمنع منه سواء سُمّي سَدَّ ذريعة أو لا [33] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت