وإن كان نادراً فقد اتفق العلماء أيضاً على عدم المنع منه ، وأنّه على أصل المشروعيّة .
وأما إن كان ظنياً فقد اختلف أهل العلم فيه هل يمنع أو لا ؟ [34] .
وقد أطال العلامة ابن القيم في الاستدلال على صحة قاعدة سد الذرائع ، واستشهد عليها بتسعة وتسعين دليلاً [35] .
ولعل الصحيح في هذا القسم الأخير أنه يُنظر فيه إلى المصلحة والمفسدة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرم غالباً فإن الشرع يحرمها مطلقاً . وكذلك إذا كانت تفضي وقد لا تُفضي ، لكن الطبع متقاضٍ لإفضائها . وأما إن كانت إنما تفضي أحياناً ؛ فإن لم يكم فيها مصلحة راجحة على هذا الإفضاء القليل وإلا حرمها أيضاً » [36] . وسيأتي لهذا مزيد بيان .
والمقصود أن الشرع راعى الوسائل والطرق التي يسلك منها إلى الشيء وتتوقف الأحكام عليها ؛ فطرق الحرام والمكروهات تابعة لها .
وإذا نهى الشرع عن شيء فنهيه يستلزم النهي عن كل ما يفضي إليه ويوصل إليه [37] .
ولذا فقد نبه أهل العلم على أنه يجب على المفتي والمجتهد أن لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل من مصلحة أو مفسدة تنشأ عنه . فلا يأذن بفعل ولو كان فيه جلب مصلحة إلا أن ينظر في مآله لئلا يكون استجلاب المصلحة فيه مؤدياً إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها [38] .
قال ابن كثير: « الشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله ؛ لأن ما أفضى إلى الحرام حرام ، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب » [39] .
الخامسة: قاعدة المصالح والمفاسد .
لا شك « أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وأنها ترجح خير الخيرين وتحصّل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما » [40] .
ونظرنا في المصالح والمفاسد ينحصر في ملحظين:
الأول: أن الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ، فإنه يُنْهى عنه ؛ وذلك لأن الشريعة مبنيّة على الاحتياط والأخذ بالحزم ، والتحرز مما عسى أن يكون طريقاً إلى مفسدة ؛ ولذا سدّت ذرائع مفضية إلى الإضرار والفساد في شواهد كثيرة من الكتاب والسنة [41] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنْهى عنه كما نُهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك ، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوّع في غير ذلك من الأوقات .
ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب ؛ فسوّغها كثير منهم في هذه الأوقات ، وهو أظهر قولي العلماء ؛ لأن النهي إذا كان لسدّ الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها ، فتفوت مصلحتها ، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة بخلاف ما لا سبب له ؛ فإنّه يمكن فعله في غير هذا الوقت ، فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة ، وفيه مفسدة توجب النهي عنه » [42] .
وفي المقابل فقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به ، وكدفع مال لرجل يأكله حراماً حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال . فهذه صور جائزة لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة [43] .
الثاني: أن المصالح والمفاسد يكفي فيها الظن الغالب ؛ وذلك أن المصالح والمفاسد لا يعرف مقدارها إلا بالتقريب ؛ أما تحديدها بدقة فغير ممكن غالباً .
قال العز بن عبد السلام: « أكثر المصالح والمفاسد لا وقوف على مقاديرها وتحديدها ، وإنما تُعرف تقريباً لعزّة الوقوف على تحديدها » [44] . ولذا يقوم الظن الغالب فيها مقام العلم .
قال الشاطبي: « وإذا كان الضرر والمفسدة تلحق ظنًّا ، فهل يجري الظن مجرى العلم .. أم لا .. ؟ اعتبار الظن هو الأرجح لأمور: أحدها: أن الظن في أبواب العمليات جار مجرى العلم ؛ فالظاهر جريانه هنا . والثاني: أن المنصوص عليه من سد الذرائع داخل في هذا القسم كقوله تعالى: ( وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ( الأنعام: 108 ) . فإنهم قالوا: لتكفن عن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك .. والثالث: أنه داخل في التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه » [45] .
السادسة: الإضرار الاقتصادي طريق من طرق الجهاد المشروع .
وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم التضييق والضغط الاقتصادي بتلك السرايا والبعوث التي سيّرها لمهاجمة قوافل قريش التجارية ؛ فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص فقال: « اخرج يا سعد حتى تبلغ الخرّار ؛ فإن عيراً لقريش ستمر بك » [46] .