لكن الذي تريد أن تقدمه هذه الدراسة، من خلال"الوقائع.. والوثائق.. والشهادات الغربية ذاتها"هو البرهنة على أن عداء الغرب للإسلام، وتعمده إهانة مقدساته وفي المقدمة منها رسوله العظيم.. وقرآنه الكريم هو عداء وافتراء له تاريخ!.. وأن تاريخ الغرب في اقتراف هذه الجرائم سابق حتى على علمنة الفكر الغربي والمجتمعات الغربية.. بل إن هذا الموقف الغربي من الإسلام إنما يعود إلى ظهور الإسلام!!
لقد قالها الجنرال الإنجليزي"جلوب باشا"اللفتنانت جنرال جون باجوت (1897 1986م) والذي سبق أن عمل قائداً للجيش الأردني حتى سنة 1956م.. قالها في لحظة صدق فجاءت معبرة أصدق التعبير عن تاريخ الغرب في العداء للإسلام.. لقد قال:"إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط أي مشكلة الغرب مع الشرق الإسلامي إنما يعود إلى القرن السابع للميلاد"!! أي إلى ظهور الإسلام.
ليس غرباً واحداً
وقد حرصنا دائماً، وفي كل ما كتبناه عن مواقف الغرب من الإسلام وحضارته وأمته، على ضرورة التمييز في الغرب بين:
1 الإنسان الغربي: الذي لا مشكلة له مع الإسلام وأمته وحضارته.. والذي يتفهم ديننا وقضايانا عندما تعرض عليه بمنطق وموضوعية.. والذي لنا من بين علمائه ومفكريه العشرات، بل والمئات الذين تحدثوا عن الإسلام وحضارته بموضوعية وإنصاف حتى إننا نتعلم من كتاباتهم.. نحن المسلمين الكثير..
2 والعلم الغربي: الذي هو مشترَك إنساني عام، استفادت فيه النهضة الأوروبية الحديثة من تراث الإسلام العلمي والحضاري، كما سبق واستفاد المسلمون فيه من تراث الحضارات القديمة الإغريقية.. والهندية.. والفارسية التي أحيا مواريثها الإسلام..
3 ومؤسسات الهيمنة الغربية: تلك التي تتركز مشكلة الإسلام والمسلمين معها، لا لأنها غربية، وإنما لأنها"إمبريالية"، سبق لها أن استعمرت الشرق ونهبته اقتصادياً، وقهرته دينياً وسياسياً وثقافياً لمدة عشرة قرون من"الإسكندر الأكبر" (356 323ق.م) في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى"هرقل" (610 641م) في القرن السابع للميلاد!
فلما ظهر الإسلام، وحررت فتوحاته أوطان الشرق من هذا الاستعمار والقهر الغربي الإغريقي.. الروماني.. البيزنطي عاد هذا الغرب تحت أعلام الصليب، و"بأيديولوجية"الحرب الدينية المقدسة ليحارب الشرق، ويشن عليه العديد من الحملات العسكرية، التي شاركت فيها دول الغرب وإماراته وفرسان إقطاعه، بقيادة الكنيسة الكاثوليكية.. ولقد استمرت هذه الحملات الصليبية، والكيانات الاستيطانية والإحلالية التي أقامتها في قلب العالم الإسلامي قرنين من الزمان (489 690ه 1096 1291م) .
وعندما نهضت دول الفروسية الإسلامية الدولة"الزنكية النورية" (521 648ه 1127 1250م) .. والدولة"الأيوبية" (567 648ه 1171 1250م) .. والدولة"المملوكية" (648 784ه 1250 1382م) .. عندما نهضت دول الفروسية الإسلامية هذه فحررت عالم الإسلام من آثار هذه الحملات الصليبية الغربية.. بدأ الغرب دورة جديدة من دورات صراعه التاريخي ضد الإسلام والمسلمين، وذلك لإعادة اختطاف الشرق من التحرير الإسلامي.. فكانت الحروب التي أسقطت"غرناطة"، واقتلعت الإسلام من الأندلس (897ه 1492م) لتبدأ غزوة الخمسمائة عام!.. الغزوة الغربية الحديثة للشرق الإسلامي، التي لا تزال وقائعها قائمة حتى هذه اللحظات!.
لقد بدأت هذه الغزوة الغربية الحديثة بالالتفاف حول العالم الإسلامي حول إفريقيا (902ه 1497م) واحتلال الكثير من البلاد الإسلامية في شرقي آسيا الهند .. والفلبين.. وإندونيسيا.. ثم استدارت لضرب قلب العالم الإسلامي العالم العربي ابتداء من حملة"بونابرت" (1769 1821م) على مصر والشام (1213ه 1798م) .
ولكي يدرك الذين لا يدركون وعي الغرب بهذا التاريخ.. بل واحتفاله بذكرياته.. يكفي أن نعلم أن الغرب قد احتفل بمرور خمسمائة عام على إسقاطه"غرناطة"واقتلاعه الإسلام من غربي أوروبا الأندلس احتفل بذلك سنة 1992م، وذلك بإقامة"دورة أولمبية"في"برشلونة"سنة 1992م أي في مكان الحدث!! وذهب العالم بمن فيه المسلمون! ليلعبوا على أنغام الذكريات الغربية بالانتصار على الإسلام.. وببدء الغزوة الغربية الحديثة لعالم الإسلام من ذات المكان أيضاً البرتغال ! وليشاهدوا مع الألعاب الأفلام والمسرحيات التي تتحدث عن هذه الأحداث، في مسلسل الصراع الغربي ضد الإسلام!.. بل وفي العام نفسه (1992م) شن الغرب حربه بقيادة الصرب ضد البوسنة والهرسك، لاقتلاع الإسلام من وسط أوروبا، في الذكرى الخمسمائة لاقتلاعه من غرب أوروبا.
إذن.. فمع هذه المؤسسات الاستعمارية الغربية، ومع هذا المشروع"الإمبريالي"الغربي، الطامع في اغتصاب الشرق ونهب ثرواته وتغريب ثقافته وقهر حضارته ومسخ هويته، تتركز مشكلتنا في العلاقة بالغرب.. وليس مع الإنسان الغربي أو العلم الغربي.