وإذا كنا قد أشرنا في بداية هذه الدراسة إلى أن الغرب ليس موقفاً واحداً.. وأن عداءه للإسلام ليس شاملاً.. وأن المشكلة هي مع مشروع الهيمنة الغربي، ومؤسساته الدينية.. والسياسية.. والإعلامية، وأن هناك من علماء الغرب ومفكريه من أنصفوا الإسلام إنصافاً متميزاً وممتازاً.. فيكفي، للبرهنة على هذه الحقيقة، أن نقدم ثلاث شهادات غربية.. أولاها تعترف بافتراء الغرب على الإسلام، وجحوده له وإنكاره إياه، وثانيتها تنصف القرآن الكريم، ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وهي ترد على افتراءات الغربيين.. وثالثتها تضع الإسلام في المكانة العليا التي لا تدانيها مكانة بين الديانات.
1 لقد كتب المستشرق الفرنسي الحجة"جاك بيرك" (1910 1995م) وهو أحد أعمدة الثقافة الفرنسية الأوروبية.. كتب يقول عن موقف الغرب من الإسلام:
"إن الإسلام"الذي هو آخر الديانات السماوية الثلاث، والذي يدين به أزيد من مليار نسمة في العالم، والذي هو قريب من الغرب جغرافياً، وتاريخياً، وحتى من ناحية القيم والمفاهيم.. قد ظل، ويظل حتى هذه الساعة، بالنسبة للغرب: ابن العم المجهول، والأخ المرفوض.. والمنكر الأبدي.. والمبعد الأبدي.. والمتهم الأبدي.. والمشتبه فيه الأبدي"!! (7) "
2 وكتب العالم الإنجليزي"مونتجمري وات"وهو أحد أعمدة الثقافة الإنجليزية والأوروبية.. والذي أنفق من عمره أكثر من ثلث قرن في دراسة الإسلام كتب يقول عن صدق القرآن الكريم.. وصدق رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: رداً على افتراءات الأوروبيين:
"إن القرآن ليس بأي حال من الأحوال كلام محمد، ولا هو نتاج تفكيره، وإنما هو كلام الله وحده، وقصد به مخاطبة محمد ومعاصريه، ومن هنا فإن محمداً ليس أكثر من رسول اختاره الله لحمل هذه الرسالة، إلى أهل مكة أولاً، ثم لكل العرب، ومن هنا فهو قرآن عربي مبين."
إنني أعتقد أن القرآن، بمعنى من المعاني، صادر عن الله وبالتالي فهو وحي..
إننا نؤمن بصدق محمد وإخلاصه عندما يقول: إن كلمات الله ليست نتيجة أي تفكير واع منه.. وربما كانت الملامح الأساسية للوحي يمكن اختصارها في العناصر الثلاثة الآتية:
1 أن الكلمات المنزلة على محمد كانت تحضر في عقله الواعي.
2 وأن تفكيره الشخصي لم يكن له دور في ذلك.
3 وأن يقيناً جازماً كان يتملك فؤاده أن هذه الكلمات هي من عند الله.
لقد وجد محمد الكلمات، أو المحتوى الشفهي حاضراً في وعيه، فلما تمت كتابته شكَّل النص القرآني الذي بين أيدينا، وكان محمد واعياً تماماً بأنه لا دخل لتفكيره الواعي في هذه الرسالة القرآنية التي تصله، وبتعبير آخر فقد كان يعتقد أنه يمكنه أن يفصل بين هذه الرسالة القرآنية وبين تفكيره الواعي، الأمر الذي يعني أن القرآن لم يكن بأية حال من الأحوال نتاج تفكير محمد.. إنه لا ينبغي النظر إليه باعتباره نتاج عبقرية بشرية.
وفي الحوار مع الإسلام، يجب أن يتخلى المسيحيون عن فكرة أن محمداً لم يتلق وحياً، وعن الأفكار الشبيهة... وإذا لم يكن محمد هو الذي رتب القرآن بناء على وحي نزل عليه، فمن الصعب أن نتصور"زيد بن ثابت" (11 ق.ه 45ه 611 665م) أو أي مسلم آخر يقوم بهذا العمل.. ومن هنا فإن كثيراً من السور قد اتخذت شكلها الذي هي عليه منذ أيام محمد نفسه.. والقرآن كان يُسجل فور نزوله.
وعندما تحدى محمد أعداءه بأن يأتوا بسورة من مثل السور التي أوحيت إليه، كان من المفترض أنهم لن يستطيعوا مواجهة التحدي، لأن السور التي تلاها محمد هي من عند الله، وما كان لبشر أن يتحدى الله. وليس من شك في أنه ليس من قبيل الصدفة أيضاً أن كلمة"آية"تعني علامة على القدرة الإلهية، وتعني أيضاً فقرة من الوحي". (8) "
3 أما المستشرقة الألمانية الدكتورة"سيجريد هونكة"فلقد كتبت تقول:
"إن الإسلام هو ولا شك أعظم ديانة على ظهر الأرض سماحة وإنصافاً. نقولها بلا تحيز، ودون أن نسمح للأحكام الظالمة أن تلطخه بالسواد، وإذا ما نحينا هذه المغالطات التاريخية الآثمة في حقه، والجهل البحت به، فإن علينا أن نتقبل هذا الشريك والصديق، مع ضمان حقه في أن يكون كما هو..." (9)
هكذا شهد ويشهد كثير من علماء الغرب، فينصفون الإسلام إنصافاً يجب أن يتعلم منه المسلمون.. ويتسلحوا به في الحوار مع المفترين من الغربيين على الإسلام!
وبعد...
إنها إذن معركة لها تاريخ..
وإذا كانت الجماهير تغضب عندما تُهان مقدساتها.. فإن هذا الغضب مع مشروعيته.. وأهميته.. بل ووجوبه ليس هو الحل.. وليس هو العلاج للمرض المستكن في الثقافة الغربية تجاه الإسلام.
وإنما الحل والعلاج لدى: