فهرس الكتاب

الصفحة 3223 من 3657

ونحن نقول للذين يسطحون أيضاً القضايا العميقة، ويبسّطون الأمور المعقدة والمركبة، عندما يرددون عبارة:"إن الكفر ملة واحدة".. نقول لهم: ولكن الإسلام لا يضع كل عالم الكفر في سلة واحدة، ولا في مرتبة واحدة، وإنما ميَّز الإسلام بين المشركين وبين الكتابيين... بل إن الإسلام لم يضع المشركين جميعاً في سلة واحدة، وإنما ميّز بين المحاربين منهم والمعاهدين الذين لم ينقصوا المسلمين شيئاً من العهود التي تعاهدوا معهم عليها، فدعا إلى قتال المقاتلين من المشركين، ودعا إلى الوفاء بعهود المعاهدين منهم... بل ميّز الإسلام بين شرك الجاحد للحق الذي يعرفه وشرك الجاهل، فإذا استجار هذا المشرك الباحث عن المعرفة، فعلى المسلمين إجارته، وتقديم المعرفة إليه، ثم إيصاله آمناً إلى مأمنه، وتركه لضميره، دونما إكراه وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى"يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) (التوبة) ."

بل لقد ميَّز الإسلام بين الدهريين، الذين استبدلوا الدهر بالخالق، سبحانه وتعالى، وبين المشركين الذين لم يجحدوا وجود الخالق وخلقه للخلق، لكنهم أشركوا مع الخالق الوسائط التي زعموا أنها تقربهم إليه زلفى!... وتحدثت آيات القرآن الكريم عن هذا التنوع في أصناف المشركين، فصاغت المنهاج العلمي في دراسة الواقع، والموقف العادل في التعامل مع الآخرين.

وكذلك صنع المنهاج الإسلامي في التعامل مع الكتابيين، فميز بين اليهود الذين هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا وبين النصارى الذين هم أقرب مودة للمؤمنين ثم هو لم يضع جميع النصارى في سلة واحدة، وإنما ميَّز بين الموحدين منهم"الذين يتعبدون على شريعة عيسى عليه السلام، وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق... ميَّز الإسلام بين هؤلاء النصارى، وبين النصارى الذين عبدوا المسيح وأمه والأحبار والرهبان من دون الله، فوُصفوا في القرآن بصفات الكفر، بل وبالشرك أيضاً."

وكذلك صنع المنهاج القرآني مع فصائل ومذاهب اليهود... فمع حديثه عن عداوتهم الأشد للمؤمنين، نجد القرآن يبلغ قمة العدل عندما يقول إنهم ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون 113 يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين 114 وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين 115 (آل عمران) ، بينما منهم الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على"لسان داوود وعيسى \بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون 78 كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون 79 (المائدة) ."

ويؤكد القرآن الكريم هذا المنهاج العادل في التعامل مع الآخر الكتابي عندما يستخدم التبعيض"من"للتمييز بين فرقائهم ومذاهبهم، فيقول: من أهل الكتاب (آل عمران:113) ، وعندما يتحدث عن طائفة من أهل الكتاب (آل عمران:69) ، أو كثير من أهل الكتاب (البقرة:109) ، دونما إطلاق أو تعميم.

ومع اشتراك الفرس والروم يوم ظهر الإسلام في التجبر والظلم والهيمنة والاستعمار، وإعلان الإسلام عن سعيه لتحرير الأرض من استعمارهم وتحرير الضمائر من تجبرهم وإكراههم، إلا أن الإسلام لم يسوِّ بين هذين الطاغوتين الفرس والروم فميز القرآن بين الكتابيين منهم (الروم) وبين المجوس (الفرس) عندما تحدث عن حزن المسلمين لتغلب الفرس على الروم، وفرحهم يوم يأذن الله بانتصار الروم النصارى على الفرس المجوس: الجم" (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) (الروم) ."

صورة الإسلام في الخطاب الغربي

د.محمد عمارة

في إطار قوى التجبر والهيمنة هناك أيضاً فروق، لا يغفلها منهاج الإسلام في رؤية الآخرين، وفي العلاقات مع هؤلاء الآخرين.. ولقد ميَّز فقهاء الإسلام وفلاسفته انطلاقاً من هذا المنهاج القرآني ميَّزوا أصناف الكفر ودرجاته.. فهناك كفر جحود للحق الذي عرفه الجاحدون.. وهناك كفر جهل وتقصير.. وهناك كفر من بلغته الدعوة.. وكفر من لم تبلغه الدعوة.. أو بلغته مشوهة، ودون إقامة الحجة عليها وإزالة الشبهات عنها.. وفي ذلك يقول حجة الإسلام أبوحامد الغزالي (450 505ه - 1058 1111م) :"إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:"

صنف لم يبلغهم اسم محمد ، أصلاً، فهم معذورون.

وصنف بلغهم اسمه ونعته وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت