وصنف ثالث بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد ، ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا أن كذاباً متلبساً اسمه محمداً ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له المقفع (1) بعثه الله، تحدى بالنبوة كاذباً، فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول"الذين لم يبلغهم اسم الرسول"، فإنهم مع أنهم سمعوا اسمه، سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب". (2) "
بل تحدث الفقهاء أيضاً، عن"كفر النعمة"الذي هو مغاير"لكفر الاعتقاد".. وقالوا بوجود"كفر دون كفر".. وبكفر"المقولة"دون كفر"القائل"، الذي قد يكون لديه تأويل حتى ولو كان فاسداً... فلم يضعوا كل ألوان الكفر في سلة واحدة، ولا في فسطاط واحد.. كما يصنع الذين يبسِّطون أمور التعامل مع الآخرين.
ولقد وضع علماء مدرسة الإحياء والتجديد الحديثة، في بلادنا، وقادة التحرر الوطني، الذين انطلقوا عن هذا المنهاج الإسلامي، لتحرير بلادنا من الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة... وضعوا هذا المنهاج الإسلامي الذي لا يضع كل الآخر في سلة واحدة في الممارسة والتطبيق، وهم يتعاملون مع الاستعمار الغربي لعالم الإسلام، ومع الخطاب الغربي الذي كان يمهد ويبرر لهذا الاستعمار.
فجمال الدين الأفغاني (1254 1314ه- 1838 1897م) تحدث عن هذا المنهاج في المقال الافتتاحي لمجلة"العروة الوثقى"التي صدرت (سنة 1300ه 1883م) لسان حال جمعية العروة الوثقى التي تكوَّنت عقودها وخلاياها في الشرق الإسلامي وذلك عندما تحدث عن تحالف هذه الجمعية مع الأحرار الأوروبيين في البلاد الاستعمارية ذاتها.. فقال:"ولما كانت بدايتهم تستدعي مساعدة من يضارعهم في مثل حالهم، رأوا أن يعقدوا الروابط الأكيدة مع الذين يتململون من مصابهم، ويحبون العدالة العامة، ويحامون عنها من أهل أوروبا" (3) .
ولقد سارت الحركات الوطنية في بلادنا على هذا المنهاج.. فوجدنا مصطفى كامل باشا (1291 1326ه - 1874 1908م) ، باعث الوطنية المصرية ضد الاحتلال الإنجليزي، وداعية الجامعة الإسلامية، وزعيم الحزب الوطني يتحالف مع القوى الحرة والليبرالية في فرنسا، وأوروبا، بل ويراهن على التناقضات بين الاستعمار الفرنسي، والاستعمار الإنجليزي في جلب التأييد لإجلاء الإنجليز عن مصر.
وعلى درب مصطفى كامل باشا، سار خليفته في زعامة الحزب الوطني بمصر محمد بك فريد (1284 1338ه - 1868 1919م) الذي لم يكتف بالتحالف مع الدولة العثمانية، والحركات الوطنية الإسلامية، وإنما تحالف أيضاً مع الاشتراكيين الأوروبيين وشارك في المؤتمرات التي عقدوها، بل وراهن على التناقضات بين الألمان وبين الإنجليز في هذا الميدان.
وعلى الدرب نفسه سارت حركات التحرر الوطني المعاصرة في بلادنا، عندما استفاد كثير منها من التناقضات التي قامت إبان الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، سواء أكانت هذه الاستفادة في التسليح.. أم التصنيع.. أم في دعم قضايانا بالمحافل الدولية.
ذلك هو المنهاج الإسلامي في النظر إلى الآخر كل آخر وفي التعامل معه، ومع الخطاب الصادر عنه.. فالبلاغ القرآني القائل: ليسوا سواء هو عنوان المنهاج الإسلامي في هذا المقام.
الهوامش
(1) الإشارة إلى عبدالله بن المقفع (106 142ه 724 759م) كان في الأصل مجوسياً مزدكياً فأسلم، وألف وترجم في الفلسفة.. وقتل بتهمة الزندقة.
(2) (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) ص23 طبعة القاهرة سنة 1907م.
(3) (الأعمال الكاملة) ج2 ص342 دراسة وتحقيق: د.محمد عمارة. طبعة بيروت سنة 1981م.
د.محمد عمارة
في الحديث عن صورة الإسلام في الخطاب الغربي.. أشرنا إلى المقدمة الأولى، التي تؤكد أن الغرب ليس واحداً... وأن خطابه من ثم ليس واحداً.