فهرس الكتاب

الصفحة 3225 من 3657

أما المقدمة الثانية: فهي أن الخطاب الغربي عن الإسلام وأمته وحضارته، ليس مجرد"مقولات نظرية"أو تعبيرات عن صور ذهنية مجردة، وإنما هو بناء فكري مركب، نما عبر تاريخ الاحتكاك العنيف بين الغرب والشرق، لا ليقف عند أفكار المفكرين وكتابات الكاتبين ونظريات المنظِّرين، وإنما ليكون التبرير المسوّغ لهيمنة الغرب على الشرق، واحتلال أرضه، ونهب ما فيها من ثروات.. فهو خطاب تبريري لتسويغ ممارسات لا أخلاقية، تجسدها الإمبريالية والاستعمار في أرض الواقع.. وهذا الخطاب الغربي عن الإسلام وأمته وحضارته، تتوجه به الدوائر الاستعمارية الغربية إلى العقل الشرقي، لتغريب عقول شريحة من نخب مفكرينا ومثقفينا، الذين يتبنون هذه الصورة الغريبة عن الإسلام وحضارته، فيصبحون بيننا عملاء حضاريين للغرب، يبشرون بالتبعية للمركز الغربي.. على النحو الذي تحدث عنه جمال الدين الأفغاني عندما قال:"إن المقلدين لتمدن الأمم الأخرى ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها... ولقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها، وطلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات، يمهدون لهم السبيل، ويفتحون لهم الأبواب، ثم يثبتون أقدامهم" (1) .

كما يتوجه الغرب الاستعماري بهذه الصورة التي صنعها ويصنعها للإسلام وحضارته إلى شعوبه هو، كي يبرر أمامها سلوكه العدواني الاستعماري ضد الشعوب التي يستعمرها، وكي يخيف شعوبه من الإسلام، فيجرها إلى التضحية في معاركه الفكرية.. والقتالية ضد الإسلام وعالمه.

والآن.. وبعد نمو الوجود الإسلامي في المجتمعات الغربية بأوروبا.. وأمريكا.. وأستراليا غدا المسلمون في تلك البلاد يعانون معاناة مضاعفة من آثار ذلك الخطاب، حتى لقد أصبحوا محرومين من مميزات الليبرالية الغربية، وامتيازات الحريات والحقوق المدنية، وغدوا متهمين لمجرد أنهم مسلمون، ومحرومين من أبسط ثوابت وضوابط وشروط العدالة في المحاكمات أمام القضاء إذ يحاكمون ويدانون"بأدلة سرية"لا يعلمون عنها شيئاً!! بل وغدوا ضحايا اعتداءات وإيذاءات مادية ومعنوية، زادت في أمريكا بعد قارعة 11 سبتمبر سنة 2001م، أكثر من 1700% عما كانت عليه قبل هذه القارعة كما رصدت ذلك منظمات أمريكية لحقوق الإنسان (2) .. حتى يوشك الخطاب الغربي، والممارسات الغربية أن تدخل المسلمين لمجرد أنهم مسلمون في دورة جديدة من دورات"محاكم التفتيش"التي نصبها الغرب للإسلام والمسلمين عقب سقوط"غرناطة"، واقتلاع الإسلام من الأندلس (897ه 1492م) !.

فنحن إذن بإزاء خطاب غربي عن الإسلام، له آثار كارثية في أرض الواقع.. ولسنا بإزاء مجرد أفكار نظرية وصور ذهنية سلبية عن الإسلام.

والمقدمة الثالثة: هي أن نزعة"المركزية الغربية"، التي لا تعترف بالآخر غير الغربي الديني منه والثقافي والحضاري بل ولا تعترف بالغربي الأبيض إذا كان مسلماً، كما هو حالها إزاء الأوروبيين المسلمين في ألبانيا والبوسنة والسنجق.. وكوسوفا.. ومقدونيا.. وتركيا... إن هذه"النزعة المركزية الغربية"تلعب دوراً محورياً وكبيراً في تراكم ثقافة هذا الخطاب الغربي عن الآخر الإسلامي، فعدم الاعتراف بالآخر فيه التبرير لإلغاء هذا الآخر!.. وحتى إذا كان هناك اعتراف بالآخر"كأمر واقع"، فإن عدم الاعتراف بشرعيته ومشروعيته وحقه في الوجود المتميز والمستقل، يذكي دائماً وأبداً السعي إلى إلغائه وطي صفحته من الوجود... فالغرب الليبرالي الرأسمالي ظل لأكثر من سبعين عاماً يعترف بالشمولية الشيوعية"كأمر واقع"، ولكنه لم يعترف أبداً بشرعيتها ومشروعيتها وحقها في الوجود المستقل والمتميز.. ولذلك، ظل موقفه الدائم منها موقف الساعي إلى إسقاطها وطي صفحتها من الوجود، وعندما تحقق له ذلك اعتبر هذا الانتصار"نهاية التاريخ"!.

ولقد لعبت هذه النزعة المركزية نزعة عدم الاعتراف بشرعية ومشروعية الوجود الحر والمستقل والمتميز للآخر لعبت الدور المحوري في التعبئة الفكرية والمادية لإلغاء وجود هذا الآخر، ولتبرير وراثة ما في حوزته من أوطان وثروات!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت