فهرس الكتاب

الصفحة 3237 من 3657

"إن المسألة ليست ببساطة حرباً على الإرهاب، كما تظهرها الحكومة الأمريكية بشكل مفهوم (؟!) وليست المسألة الحقيقية كما يجادل الكثير من المسلمين هي السياسة الخارجية الأمريكية في فلسطين أو نحو العراق. إن الصراع الأساسي الذي نواجهه لسوء الحظ، أوسع بكثير، وهو مهم، ليس بالنسبة إلى مجموعة صغيرة من الإرهابيين، بل لمجموعة أكبر من الراديكاليين الإسلاميين، ومن المسلمين الذين يتجاوز انتماؤهم الديني جميع القيم السياسية الأخرى... إن الصراع الحالي ليس ببساطة معركة ضد الإرهاب، ولا ضد الإسلام كدين أو حضارة، ولكنه صراع ضد العقيدة الإسلامية الأصولية التي تقف ضد الحداثة الغربية.. وإن التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة، اليوم هو أكثر من مجرد معركة مع مجموعة صغيرة من الإرهابيين، فبحر الغاشية الإسلامية الذي يسبح فيه الإرهابيون يشكل تحدياً أيديولوجياً هو في بعض جوانبه، أكثر أساسية من الخطر الذي شكلته الشيوعية"!

ثم يتحدث"فوكوياما"عن"التطور الأهم"الذي يجب أن يحدث للإسلام ذاته والذي يجب أن يتم داخل الإسلام، لتعديل الإسلام حتى يصبح قابلاً للحداثة الغربية والعلمانية الغربية والاستهلاكية الغربية، فيقول:"إن التطور الأهم ينبغي أن يأتي من داخل الإسلام نفسه، فعلى المجتمع الإسلامي أن يقرر فيما إذا كان يريد أن يصل إلى وضع سلمي مع الحداثة، خاصة فيما يتعلق بالمبدأ الأساسي حول الدولة العلمانية"؟.. أم لا؟! (1) .

فالقضية في التحليل الأعمق ليست"إرهاب"جماعات العنف العشوائي.. ولا هي"قارعة سبتمبر سنة 2001م"ولا حتى السياسة الخارجية الأمريكية المعادية لقضايا المسلمين العادلة... فكل ذلك تجليات للصراع بين المشروع الغربي وبين النزوع الإسلامي إلى التمايز الحضاري والاستقلال القيمي والثقافي، والذي يرفض الهيمنة الغربية التي تفرض حداثتها وعلمانيتها على العالم، بما في ذلك عالم الإسلام.

الهوامش

(1) "النيوزويك"العدد السنوي ديسمبر سنة 2001م فبراير سنة 2002م.

صورة الإسلام في الخطاب الغربي (15)

"الحداثة"والموروث الديني

د.محمد عمارة

وحتى لا يخلط الوهم بين هذه"الحداثة الغربية".. التي تقيم قطيعة معرفية كبرى مع الموروث الديني، وبين"التجديد الإسلامي"، الذي يستصحب الثوابت ويطور في المتغيرات... نسوق كلمتين لاثنين من دعاة هذه الحداثة في بلادنا.

أولاهما كلمة"هاشم صالح"، المتخصص في ترجمة وتسويق المشروع الحداثي للدكتور محمد أركون.. فلقد كتب عقب قارعة سبتمبر داعياً إلى انتهاز فرصة الهجمة الغربية على الإسلام، لتبني الحداثة الغربية التي أحلت وتحل"الدين الطبيعي"محل"الدين الإلهي"!! فقال:"إننا يجب أن نلتحق بفولتير (1734 1778م) وتصوره الطبيعي عن الدين والأخلاق، فالدين الحقيقي هو الدين الطبيعي.. وإن العبرة هي بأعمال الإنسان وليست بمعتقداته، أو حتى صلواته وعباداته.. ولابد من تأويل جديد لتراثنا يختلف عن تأويل الأصولية، بل وينقضه.. تأويل يكشف عن تاريخية النصوص التأسيسية، ويحل القراءة التاريخية محل القراءة التبجيلية لهذا التراث"! (1) .

أما الكلمة الثانية فهي للدكتور على حرب، والذي قال عن حداثة مشروع أركون وهاشم صالح:"إنها القول بمرجعية العقل وحاكميته.. وإحلال سيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة مكان إمبريالية الذات الإلهية وهيمنتها على الكون..." (2) .

فالعدو عند المشروع الأمريكي هو الإسلام المقاوم للعلمانية الغربية والحداثة الغربية والاستهلاكية الغربية. أي الإسلام المقاوم للمسخ الغربي والأمريكي.

والعدو عند الحداثيين الذين يحملون الأسماء المسلمة ليس الإمبريالية الأمريكية وهيمنتها، وإنما"إمبريالية الذات الإلهية وهيمنتها على الكون"... ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

هذه هي حقيقة الموقف الذي نحن فيه.. وحقيقة التحدي الذي نواجهه الآن...

صحيح أنه يشبه"الكابوس"خصوصاً إذا رأيناه في ضوء حال الأمة حكاماً ومحكومين وفي ضوء نجاح الغرب في استغلال مشكلة الأرثوذكسية الروسية مع المسلمين الشيشان.. ومشكلة الهندوسية الهندية مع المسلمين في كشمير ومشكلة"الكونفشيوسية الصينية مع المسلمين في تركستان الشرقية... نجاح الغرب في استغلال هذه المشكلات لإقامة تحالفات بعض أطرافها متعاون وبعضها صامت في هذه الحرب الغربية على الإسلام، حتى ليتذكر المحلل للموقف الراهن مشورة"صموئيل هنتنجتون"سنة 1993م، على صانع القرار الأمريكي، بتحييد الحضارات الأخرى، وبدء صدام الحضارات، أولاً بالإسلام!".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت