فهرس الكتاب

الصفحة 3309 من 3657

الثانية: أن تلك الخصائص والمميزات الكبرى لأي علم من العلوم تستلزم أسلوباً خاصاً في طلبه؛ ولكل خصيصة منها منهج معين في التحصيل بمواجهتها. فإدراك طالب ذلك العلم، يجعله واعياً للأسلوب الصحيح في طلب ذلك العلم، عارفاً بعقبات علمه وبوسائل تجاوزها بسرعة ؛ فهو بهذا الوعي والمعرفة محيط بالغاية التي يريد، حتى كأنه بلغها (وإن لم يبلغها) ، لشدة وضوح طريقها أمامه، ولعدم خوفه من حواجز تحول بينه وبينها.

وهذا ما جعلني أثني (بعد ذكر شرف علم الحديث وشرف أهله) بأربع مميزات لعلم الحديث، هي في ظني أهم خصائصه، وأوضح ملامحه، تستوجب تجاهها طريقة خاصة في الطلب ومنهجاً معيناً في تعلم علم الحديث.

ثم ختمت هذه الورقات بذكر خطة دراسية منهجية مختصرة للحديث النبوي الشريف ولعلومه، حاولت خلالها وضع مستويات دراسية مرتبة على نظرية التدرج في طلب العلم، من البداية بالمجملات إلى الوصول إلى المفصلات الموسعات من كتب العلم.

ومن خلال هذه العناصر أحسب أني قد ساهمت في الإجابة على سؤال يقول: كيف أصبح محدثاً عارفاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وإليك الإجابة (بعون الله تعالى) .

شرف علم الحديث وشرف حملته:

لا يشك مسلم من المسلمين أن القرآن الكريم وعلومه أشرف العلوم على الإطلاق، وأنه أنفع العلوم وأجلها وأعظمها بلا استثناء.

وأهم علوم القرآن الكريم وأعظمها، وما من أجله أنزل، هو تدبر آياته، وفهم معانيه ؛ لأن الغاية العظمى من إنزال القرآن هي العمل به، والاعتبار بمواعظه، والاستضاءة بحكمه ؛ وذلك لا يحصل أبداً قبل فهم معانيه وتدبر آياته ؛ وإلا فكيف يعمل بالقرآن من لم يفهم القرآن ؟!

ولا يتم فهم كلام الله تعالى، ولا يمكن أن ندرك معاني كتاب الله المجيد، وإلا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وعلومها، لأن السنة هي الشرح النظري والعملي للقرآن الكريم.

ومن هنا ندخل إلى أعظم ما يبين مكانه السنة وعلومها، وإلى منزلتها بين العلوم على الإطلاق ؛ وهو أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم، وإلى معرفة دين الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى سواه، إلا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وعلومها!!

أو بعبارة أخرى: بما أن القرآن الكريم أشرف العلوم، وأشرف علومه فهم معانيه لا يكون إلا بالسنة ؛ فالسنة إذا أشرف علوم القرآن، أو قل: أشرف العلوم!!

قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) [النحل:44] ، فمنطوق هذه الآية الكريمة يخبر أن إنزال القرآن الكريم كان من أجل بيان النبي صلى الله عليه وسلم له ؛ بسنته القولية والفعلية والتقريرية!! وهذا المنطوق غريب جداً لمن تأمله، لأنه يخالف المتبادر إلى الذهن، من أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت من أجل أن تبين القرآن الكريم، أي أن القرآن هو الغاية التي من أجلها جاءت السنة، أما الآية فقد قالت بضد ذلك، حيث جعلت السنة وبيانها غاية من أجلها انزل القرآن!!!

وهذا من إعجاز القرآن في الإشادة بمكانة السنة من القرآن، وفي التأكيد على عدم استغناء القرآن عنها، بل وعلى بطلان مثل ذلك الاستغناء.. إن زعم!!

ولهذه المنزلة العليا للسنة، ولعلاقتها القوية الوشائج والصلات بالقرآن الكريم، كان يقول غير واحد من السلف، منهم مكحول الشامي (ت 118 هـ) : (القرآن أحوج للسنة من السنة للقرآن) ( [1] ) . وذلك لأن إجمال القرآن يحتاج إلى تفصيل السنة، ومتشابه القرآن تفسره السنة ؛ في حين أن السنة - غالباً - مفصلة مبينة واضحة.

ولهذا يصح أن يقال عمن يتعلم السنة: إنه يتعلم القرآن، ولمن يقرأ السنة: إنه يقرأ تفسير القرآن!!

وقد كان ذلك واضحاً تمام الوضوح عند السلف، ولهذا لما قيل لمطرف بن عبد الله بن الشخير (ت 95 هـ) : (لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا ) ( [2] ) .

ويجب التنبه إلى أن تفسير السنة للقرآن ليس هو وحده التفسير الصريح لمعانيه من النبي صلى الله عليه وسلم، كأن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم آية ثم يشرحها شرحاً مباشراً. نعم هذا من تفسير السنة للقرآن، لكن الخضم الأعظم منه هو جميع سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية وسيرته ومغازيه وحياته. ولهذا لما سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، أرشدت السائل إلى النظر في القرآن، عندما قالت: (كان خلقه القرآن) ( [3] ) وعلى هذا يحق لمن سأل عن القرآن أن يحال إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أحالت عائشة السائل عن السنة إلى القرآن!

وهذا أكبر ما يبين مكانة السنة، وعظم أهميتها، وأولويتها على غيرها من العلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت