ولقد بين الله عز وجل مكانة السنة وشرفها في القرآن العظيم، في آيات كثيرات؛ منها آيات كثيرة في الأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من مخالفته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. كقوله تعالى: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) [آل عمران: 132[، وكقوله عز وجل: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [النساء: 80] ، وكقوله سبحانه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) [النساء:65] ، وكقوله عز شأنه: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) [آل عمران: 31] ، وكقوله عز من قائل: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور: 63] ، وكقوله عز حكمه: (وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر:7] ، وكقوله لا رب سواه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) [الأحزاب:21] ، في غيرها من آيات مباركات كثيرات.
ففي هذه الآيات حث على تعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بتعلم أصولها ومصطلحها ، من العلوم التي يميز بها صحيح السنة من سقيمها. لأن الأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والترغيب في الاقتداء به لا يمكن امتثاله (بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم) إلا بالنقل والإسناد اللذين اجتمعت فيهما شروط القبول، وشروط القبول (تحققها أو عدم تحققها) في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتوصل إلى إدراكه إلا بالعلوم التي تخدم ذلك، وهي علوم الحديث: أصوله ومصطلحه. إذن فالأمر الإلهي بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به متضمن أمراً إلهياً بتعلم علم الحديث، لأنه لا سبيل إلى امتثال الأمر الأول إلا بعد امتثال الأمر الثاني، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وإذا كان فهم القرآن الكريم، وطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والعلم بأحكام هذا الدين (دين الإسلام) وشرائعه وآدابه = لا يكون إلا بعلوم الحديث ؛ علمت ما هي مكانة هذه العلوم!! وفي أي قمة من مراتب العلوم تكون!! ثم علمت شرف أهل الحديث!! وعظيم فضلهم وكبير أثرهم في الأمة!!!
وقد جاءت السنة نفسها ببيان فضل أهل الحديث وشرفهم، في أحاديث كثيرة وآثار ذوات عدد؛ حتى صنف الخطيب البغدادي ( ت 463هـ) كتاباً في ذلك بعنوان (شرف أصحاب الحديث) .
ومن هذه الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى تقوم الساعة) ( [4] ) .
قال عبد الله بن المبارك (ت 181 هـ) ، ويزيد بن هارون (ت 206هـ) ، وعلي ابن المديني (ت234 هـ) ، وأحمد بن حنبل (ت 241هـ) ، والبخاري (ت 256 هـ) ؛ قال هؤلاء الأئمة كلهم في بيان الطائفة المنصورة: (هم أصحاب الحديث) ( [5] ) . بل عبارة الإمام أحمد، وقبله يزيد بن هارون: (إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم) .
وأي طائفة أحق بأن يكونوا هم تلك الطائفة الظاهرة المنصورة، من الذين حفظوا الدين، ونقلوا الملة، ونشروا السنة، وقمعوا البدعة ؛ وهم أصحاب حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وحراسه، أهدى الناس بالسنة، وأتبعهم للأسوة الحسنة، بقية الأصحاب، ومرآة الرسول صلى الله عليه وسلم!! فلولا هم لما كان هناك فقيه ولا مفسر، ولا عالم ولا فاضل!! بل لولاهم لما كان هناك مسلم موحد!!!
ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة) ( [6] ) ، وذكر أهل العلم أن أسعد الناس بهذا الحديث هم المحدثون!
قال ابن حبان (ت 354هـ) بعد إخراجه هذا الحديث في صحيحه: (في هذا الخبر دليل على أن أولى الناس برسوله صلى الله عليه وسلم في القيامة أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه صلى الله عليه وسلم منهم) ( [7] ) .
وقال أبو نعيم الأصبهاني (ت 430هـ) : (وهذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها، لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما يعرف لهذه العصابة نسخاً وذكراً) ( [8] ) .
ومن تردد في هذا الذي ذكراه (عليهما رحمة الله) ، فليوازن بين صفحة أو صفحات من صحيح البخاري مثلاً وصفحة أو صفحات من أي كتاب في أحد العلوم الفاضلة (مما سوى الحديث) ، كالتفسير والفقه وأصوله والعقيدة، لتظهر مصداقية قول ذينك الإمامين (عليهما رحمة الله) ، ليعرف حقاً أن أهل الحديث هم أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة!!
و (الجزاء من جنس العمل) ، فكما كان أهل الحديث أهل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وأولى الناس به صلى الله عليه وسلم فيها ؛ كانوا أيضاً أولى الناس به يوم القيامة!!
وياله من شرف ومكانة وفضل!! لا يدانيه شيء أبداً!!!
ولله در القائل:
دين النبي محمد أخبار
نعم المطية للفتى الآثار
لا تخدعن عن الحديث وأهله
فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما غلط الفتى سبل الهدى