وقد رتّب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة في المسجد فضلاً كبيراً وأجراً عظيماً كما في الصحيحين عن أبي هريرة: (أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَّلاةُ لا يُرِيدُ إِلا الصَّلاةَ فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلاةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ وَالْمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ) .
2-مدرسة وجامعة للتعليم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الناس ويجلسون إليه في المسجد فيتعلمون منه أصول الدين وفروعه، وكان الواحد منهم إذا شغله شاغل عن حضور المسجد ذلك اليوم أوصى غيره يأتيه بما يتعلّمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وربما استفيد من المسجد في الأمور التالية:
1-إيواء الضعفاء والفقراء والعزّاب.
2-إنشاد الشعر في نصر الدعوة.
3-مكان لاعتقال الأسرى حتى يشاهدوا المسلمين فيتأثروا بهم.
4-مكان لعلاج المرضى (مثل خيمة رفيدة لمعالجة سعد بن معاذ) .
5-استقبال الرسل والسفراء.
6-عقد ألوية الجهاد.
7 -لقاء المسلمين بأميرهم وقائدهم.
ولما اهتمّ المسلمون بشكل المساجد وزخرفتها فرغوها من محتواها ومقاصدها، وأصبحت مكاناً لأداء الصلاة ثم يقفل حتى عن حلق العلم والتعليم.
وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)
وفي الحديث الآخر: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتباهى الناس في المساجد) .
وعن ابن عباس مرفوعاً: (ما أمرت بتشييد المساجد ثم قال ابن عباس:(تزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى) .
ثانيا: المؤاخاة.
لمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة وقد تركوا ديارهم وأموالهم وهربوا إلى الله بأبدانهم، تنافس الأنصار - رضي الله عنهم - في إيواء إخوانهم المهاجرين حتى أصبح إسكانهم بالقرعة فهذه امرأة من الأنصار ممن بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكي لنا قصة في ذلك: روى البخاري عن أم العلاء قَالَتْ: (طَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ..) .
بل طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقسّم بينهم وبين إخوانهم من المهاجرين نخيلهم فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ: (اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ النَّخْلَ قَالَ: لا قَالَ: يَكْفُونَنَا الْمَئُونَةَ وَيُشْرِكُونَنَا فِي التَّمْرِ قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) .
وروى الإمام أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ يَعْقِلُوا مَعَاقِلَهُمْ وَأَنْ يَفْدُوا عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِصْلاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) .
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار فكانت هذه الآصرة أقوى من آصرة القبيلة والنسب حتّى وصل بهم الحال إلى التوارث بينهم كما روى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا: ( {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قَالَ: وَرَثَةً {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نَسَخَتْ ثُمَّ قَالَ {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} إِلا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ) .
وقد ضرب الأنصار أروع المثل في إكرام إخوانهم المهاجرين بل في إيثارهم على أنفسهم كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} .