22-لقد كان أبو بكر قلقاً على حياة رسول الله من أن يصيبها أذى ولذلك يكثر الالتفات، أمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان واثقاً من نصر ربّه له، مطمئناً إلى ذلك لم يعبأ بالخطر مع قربه منه، ولم يستحق منه مجرّد الالتفات، قال أبو بكر: (هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله) . فقال: (لا تحزن إن الله معنا) .
أسس بناء المجتمع في المدينة:
قام المجتمع المدني على عدّة دعائم، أهمّها ما يأتي:
أولاً: المسجد.
فكان أوّل عمل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بناء المسجد كما في البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (..بَنَاهُ مَسْجِدًا وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:
هَذَا الْحِمَالُ لا حِمَالَ خَيْبَرْ *** هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ
وَيَقُولُ:
اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخرة *** فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
وهذا يدل على أهمّيّة المسجد ومكانته في الإسلام، وأصبح المسلمون كلّما بنوا مدينةً أو مصراً أول ما يبدأون بالمسجد ثم يبنون بيوتهم حوله كما فعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين بنى الكوفة والبصرة.
والمسجد له مكانة عظمى ودور كبير في حياة الأمّة المسلمة فاستخدم المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأكثر من غرض منها:
1-إقامة الصلاة فيه، وكان الصحابة يحرصون أشدّ الحرص على الصلاة مع الجماعة، حتى إنّ الرجل منهم لا يستطيع المشي فيهادى بين رجلين حتى يأتون به المسجد، وكانوا يعتبرون المتخلف عن المسجد منافقاً معلوم النفاق.
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ) .
وروى مسلم أيضا عن ابن مسعود قال: (لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلاةِ إِلا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ أَوْ مَرِيضٌ إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلاةَ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ) . ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعذر أحداً بالتخلف عن المسجد.
فروى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَجِبْ) . فمع كونه صلى الله عليه وسلم رحيم بأمته يشقّ عليه ما يشقّ عليهم رؤوف فيهم لم يرخّص لهذا الأعمى في التخلف عن الصلاة في المسجد. وقد ورد في بعض روايات الحديث أنه كبير وبعيد الدار عن المسجد.
بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم هَمَّ بتحريق أناس لم يشهدوا الصلاة في المسجد كما في صحيح البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ صَلاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لاتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ ثُمَّ آخُذَ شُعَلاً مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ بَعْدُ) .