وأصبحت الآيات القرآنية تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم محذّرةً من الفرقة والخلاف والشقاق وآمرةً بالاجتماع والإتلاف والترابط على حبل الله المتين وصراطه المستقيم.
قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وقال: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} .
ثالثا: المعاهدة مع اليهود.
سكن اليهود المدينة لانتظار مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يجدون صفته وصفة بلده ومكان مبعثه في التوراة، وكانت اليهود تذكر ذلك كثيراً للأوس والخزرج سكّان المدينة، وتقول: إن نبياً مبعوث الآن قد أظلّ زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
ولهذا لمّا التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفد الخزرج عند العقبة فكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: (يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعّدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه) ، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدّقوه وقبلوا منه لمّا عرض عليهم الإسلام.
ولكن اليهود حسدوا العرب أن بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذّبوه وعادوه، مع معرفتهم التامّة بصدقه، ووضوح علامات النبوّة التي يجدونها في التوراة عليه. كما قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} .
فلمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أقرّ اليهود على منازلهم وعلى ممتلكاتهم وعلى دينهم وأعمالهم، مع معرفتهم التامّة به وأنه النبيّ الذي يجدونه عندهم، ومعرفته بهم وأنهم أهل خيانة ومكر وكذب، وإظهارهم عداوته وبغضه.
وقد تبيّن ذلك جلياً عند أوّل مقدمه المدينة كما في قصّة عالمهم وإمامهم وحبرهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه.
يقول عبد الله بن سلام: (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ فَجَاءَتِ الْيَهُودُ وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَيْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ؟ قَالُوا أَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا وَأَخْيرُنَا وَابْنُ أَخْيَرِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ! قَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَوَقَعُوا فِيهِ) .
ومع ذلك فقد أبرم معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدةً جاء فيها: ( أنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وأثم، فأنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وأنه يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم..) .
فهذا الصحيفة التزم اليهود فيها بدفع قسط من المال في الحروب دفاعاً عن المدينة، وأن المجرم ينال جزاءه من أيّ فريق كان، وأن اليهود لا يخرجون من المدينة إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتبرت المعاهدة أن المدينة حرم والحرم لا يحل انتهاكه، والمرجع الوحيد عند التحاكم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعت الصحيفة من إجارة قريش أو نصرها.