وعلى الرغم من هذه المعاهدة ووضوح بنودها، وتحقيقها حياةً آمنةً مطمئنّةً لليهود في المدينة، إلا أن اليهود ما انفكّوا عن الكيد للإسلام وأهله، ومحاولة طرح الشبه للتشكيك في نبوّة الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغلون بعض الحوادث للتلبيس على الناس كما في صرف القبلة وغيرها، كما يلقون الأسئلة المتعنتة على الرسول أمام الملأ ومع ذلك كان يحلم عليهم. وهذا يعتبر نوعاً من فصول المقاومة للرسول صلى الله عليه وسلم.
كما قاموا بتدبير المؤامرات والكيد للمسلمين في كل فرصة ينتهزونها، فمرّةً يثيرون العداوة بين المسلمين ويذكرونهم بثاراتهم الماضية حتى كاد الأوس والخزرج أن يقتتلوا، وتارةً يهددون رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمعهم في سوق بني قينقاع ورأى ما بهم من الشرّ والنوايا الفاسدة في نقض المعاهدة - بعد ما شرقوا بانتصار المسلمين في بدر - فوعظهم وذكرهم فقالوا له: (يَا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَارًا لا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا) .
ودعوا على النبي صلى الله عليه وسلم بالموت كلّما لقوه في وجهه. تقول عَائِشَةَ: (اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ: قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ) ."
وقام رجل منهم يقال له لبيد بن الأعصم بعمل السحر للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من شأن اليهود كلّما أعياهم أمر لجأوا إلى السحر والشعوذة والاستعانة بالشياطين. فليس عندهم حجة يجادلون عنها، ولا رأي صحيح يناظرون عليه.
فانتصار المسلمين في بدر أفقد اليهود صوابهم فنقلوا الحرب والمقاومة من الكلام إلى ميدان الحرب الدامية:
فتحرّشوا بامرأة مسلمة في سوقهم وكشفوا عن سوأتها.
ثم كان منهم التحريض لقريش على غزو المدينة، وقامت بنو النضير بتنظيم عملية اغتيال للنبي صلى الله عليه وسلم، وجنّدوا شعراءهم للتشبيب بنساء المسلمين والتغزّل بهنّ.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سلكوا طريق القوّة في مقاومتهم للمسلمين واستنصار الأعداء عليهم والتهديد السافر للمسلمين فأجلا من نقض العهد منهم كبني قينقاع وبني النضير بموجب المعاهدة بينهم.
فالتقى جمع من أحبارهم بزعماء قريش وشهدوا لهم أنهم أهدى سبيلاً من محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} .
ثم حزبوا الأحزاب على رسول الله وقاموا بنفير عام وتجميع لجميع قوّات القبائل لغزو المدينة في السنة الخامسة، ولما حوصرت المدينة كان الواجب طبقاً للمعاهدة أن ينضمّ يهود بني قريظة إلى جانب المسلمين للدفاع عن المدينة، ولكنّ الذي حدث هو العكس فقد غدروا بالمسلمين وحاولوا ضرب جيشهم من الخلف في أحرج الظروف، وفي تلك الساعات الرهيبة الحاسمة التي كان فيها مصير كل الكيان الإسلامي في خطر في جميع التقديرات العسكرية، فأصبح المسلمون بين فكي كماشة.
وأعلن اليهود مؤازرتهم للغزاة المعتدين بقصد إبادة المسلمين جميعاً ووأد الإسلام. ومع ذلك فقد أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفداً يفاوضهم ويذكّرهم بالعهد والعقد، فناكروهم وسبّوهم وأغلظوا القول عليهم وسبّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامهم.
وقد قام يهود بني قريظة بهذه الخيانة العظمى. بالرغم من أن هؤلاء اليهود باعتراف زعيمهم كعب بن أسد لم يروا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا الصدق والوفاء، قاموا بتلك الخيانة وهم في حالة ارتباط مع المسلمين بموجب عهد وميثاق بأن يقاتلوا كل من حارب المدينة.
فيهود بني قريظة بالإضافة إلى ارتكابهم جريمة الخيانة العظمى يعتبرون غزاةً مُحَارِبِينَ حيث أصبحوا جزءاً لا يتجزّأ من الجيش الغازي.
فلماذا اندحر الأحزاب وانسحب الجناح الوثنيّ يجرّ أذيال الخيبة، بقي على المسلمين الجناح اليهودي من هذه الجيوش. الذي احتمى بالحصون فلمّا وصلت مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حصونهم سبّوهم وشتموهم وشتموا رسول الله. فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا اشتدّ الحصار عليهم انهارت قواهم عن المقاومة، فنزلوا على حكم حليفهم من الأوس وهو سعد بن معاذ ومع ذلك وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، فحكم فيهم سعد بقتل المقاتلة وسبي النساء والذريّة.