أود في الأسطر التالية أن أعقب برأيي المتواضع إزاء ما كتبه أستاذي الدكتور الفاضل محمد علي الهرفي -الذي أعتزّ بقلمه- في الرسالةِ الغراء الأسبوع المنصرم، حيث أكد ما ذكره قبلاً من أن مؤتمر النصرة الذي انعقد بالمنامة كان مؤتمرَ مناصرةٍ لحكومة الدنمارك ولا شيء غير ذلك، وأن الشيخين (القرضاوي والعودة) وإن كانا أعلم منه بالفقه فإن قضية رفع المقاطعة قضية ليس لها علاقة بالفقه من قريب أو بعيد بل هي مسألة اجتهادية متعلقة بالمصالح والمفاسد، لكل إنسان حق في إبداء رأيه فيها، موضحاً ما لفتوى الشيخين من شقٍ لعصا الأمة التي لم تجتمع على شيءٍ كما اجتمعت على قضية المقاطعة، فإذا بالمقاطعة تُرفع عن شركة (آرلا) من قِبَل الأمانة العامة للمؤتمر لمجرد اعتذارها الذي ليس له أي قيمة أو منفعة للمسلمين أو لنبيهم صلى الله عليه وسلم، وهكذا ستعتذر بقية الشركات لتنال حظها من الغنيمة وستظل المشكلة كما هي، مضيفاً أن المقاطعة وإن أضرت بمسلمي الدنمارك فليعلنوا هم رفعها دون سواهم، إلى آخر ما قال حفظه الله.
وبداية أظن أن الدكتور الهرفي وقد حضر المؤتمر لم يخفَ عليه أنَّ رأي رفع المقاطعة عن شركة (آرلا) لاعتذارها طرح في الجلسة الرابعة من جلسات المؤتمر وأدلى فيه العلماء المشاركون بدلوهم وأبدوا آراءهم وأصواتهم فكان رأي أكثرهم أن ترفع المقاطعة عن الشركة، لما في ذلك من إظهار لعدل الإسلام وسماحته، وتغييرٍ للصورة النمطية عن المسلمين في عقول الغربيين، وتمييزٍ بين المحسن والمسيء من الدنماركيين، فعدم رفع المقاطعة عن هذه الشركة بعد كل ما قدمته إنما هو زرع لليأس في قلوب القوم، حيث إنّ الحكومة الدنماركية قد تقول: إن المسلمين ما داموا غير قابلين لموقف شركة (آرلا) التي ركعت لهم بشكل مخزٍ -على حد تعبيرهم- فلا فائدة من الاعتذار لهم أصلاً. كما أن في ذلك مصلحة راجحة للمسلمين في الدنمارك والذين ينبغي أن يراعى وضعهم في مثل هذه الظروف، إلى آخر ما عبر عنه فضيلة الشيخ العلامة عبدالله بن بيه متع الله به وغيره من العلماء المشاركين، ومع ذلك لم يتعجل المؤتمر في اتخاذ قراره بل جاء في البيان الختامي للمؤتمر التوصية التالية: (( يثمِّن المؤتمر موقف شركة آرلا التي أعلنت استنكار وإدانة الرسوم ورفضت أي مبرر لتسويغها، ويرى المؤتمر أن هذه الخطوة هي البداية الصحيحة لفتح حوار بين أمانة المؤتمر والشركة لاتخاذ الخطوات المناسبة تجاه هذه المبادرة ) ). فلما أن تم الحوار قررت الأمانة العامة للمؤتمر إبداء رأيها برفع المقاطعة عن (آرلا) ، هذا الرأي الذي مثل صوت كثير من العلماء المشاركين كما تعلم؛ ولم يكن مجرد اجتهاد من الشيخين وحدهما كما ظنّ من شاهد بيان رفع المقاطعة موقعاً باسميهما بصفتهما الرئيس والأمين العام للمؤتمر. فهل كل هذا الجمع من علماء الأمة لا يملكون حق الاجتهاد والنظر في الأمور المتعلقة بالمصالح والمفاسد؟!!
وليس بصحيح يا سعادة الدكتور أن اعتذار شركة (آرلا) لم يغن عنا شيئاً، فقد جرى حوار بين أمانة المؤتمر وشركة (آرلا) اُشترِط فيه على الشركة عدة شروط وافقت عليها الشركة وعلى إثرها تم رفع المقاطعة عنها، ومن أبرز هذه الشروط: الضغط الشديد على الحكومة الدنماركية بشتى الوسائل للاعتذار، دفع مبلغ مالي يساهم في مشاريع النصرة، التخطيط للقيام بمشاريع دعوية لنشر الدين الإسلامي والتعريف بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم. فما رأيك إن فعلت الشركات الدنماركيات الأخريات فعلها، وسارت على نهجها، ألا تتحقق لنا المصلحة التي نريد بطريق أخرى قد تكون أولى من الطريق التي سلكناها؟