(4) التحديد بيوم الاثنين ثابت؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم حينما سئل عن صومه:"فيه ولدت وفيه أُنزِل عليَّ"مسلم 2/820. أما تحديد تاريخ اليوم ففيه عدة أقول: فقيل في اليوم الثاني، وقيل لثماني، وقيل لعشر، وقيل: لسبعة عشر، وقيل في الثاني عشر، وقيل غير ذلك، وأشهر وأقرب الأقوال قولان: الأول: أنه ولد لثماني مضين من ربيع الأول، ورجحه ابن عبد البر عن أصحاب التأريخ: انظر: البداية والنهاية 2/260 وقال:"هو أثبت". القول الثاني: أنه ولد في الثاني عشر من ربيع الأول، قال ابن كثير في البداية والنهاية:"وهذا هو المشهور عند الجمهور"2/260، وجزم به ابن إسحاق: انظر: سيرة ابن هشام 1/171.
(5) انظر: الرحيق المختوم ص 53.
(6) وصل إلى المدينة صلّى الله عليه وسلّم يوم الاثنين من شهر ربيع الأول وحدده بعضهم باليوم الثاني عشر من ربيع الأول، انظر: فتح الباري 7/224.
(7) انظر: الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص75، 76.
إن إقامة الاحتفالات بمولد النبي صلّى الله عليه وسلّم كل عام في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بدعة منكرة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يفعل ذلك في حياته، ولم يفعله الصحابة من بعده رضي الله عنهم، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، ومع ذلك فإن تحديد ميلاد النبي باليوم الثاني عشر من ربيع الأول لم يُجْزَم به، وإنما فيه خلاف وحتى ولو ثبت فالاحتفال به بدعة لما تقدم؛ ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: "من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد" (1) . وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (2) .
إن وظيفة النبي صلّى الله عليه وسلّم هي الدعوة إلى التوحيد، وإنقاذ الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات المعاصي والسيئات إلى نور الطاعات والأعمال الصالحات، ومن الجهل إلى المعرفة والعلم، فلا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شر إلا حذَّرها منه صلّى الله عليه وسلّم.
المبحث الثاني: جهاده واجتهاده وأخلاقه
كان صلّى الله عليه وسلّم أسوة وقدوة وإماماً يُقتدى به؛ لقوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (3) ؛ ولهذا كان صلّى الله عليه وسلّم يصلي حتى تفطَّرت قدماه وانتفخت وورمت فقيل له: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً" (4) . وكان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة (5) ، وكان يصلي الرواتب اثنتي عشرة ركعة (6) وربما صلاها عشر ركعات (7) ، وكان يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله (8) ، وكان يطيل صلاة الليل فربما صلى ما يقرب من خمسة أجزاء في الركعة الواحدة (9) ، فكان ورده من الصلاة كل يوم وليلة أكثر من أربعين ركعة منها الفرائض سبع عشر ركعة (10) .
وكان يصوم غير رمضان ثلاثة أيام من كل شهر (11) ويتحرَّى صيام الاثنين والخميس (12) ، وكان يصوم شعبان إلا قليلاً، بل كان يصومه كله (13) ، ورغَّب في صيام ست من شوال (14) ، وكان صلّى الله عليه وسلّم يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم (15) ، وما استكمل شهر غير رمضان إلا ما كان منه في شعبان، وكان يصوم يوم عاشوراء (16) ، وروي عنه صوم تسع ذي الحجة (17) ، وكان يواصل الصيام اليومين والثلاثة وينهى عن الوصال، وبيَّن أنه صلّى الله عليه وسلّم ليس كأمته؛ فإنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه (18) ، وهذا على الصحيح: ما يجد من لذة العبادة والأنس والراحة وقرة العين بمناجاة الله تعالى؛ ولهذا قال: "يا بلال أرحنا بالصلاة" (19) ، وقال: "وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة" (20) .
وكان يكثر الصدقة، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة حينما يلقاه جبريل عليه الصلاة والسلام (21) ؛ فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة؛ ولهذا أعطى رجلاً غنماً بين جبلين فرجع الرجل إلى قومه وقال: يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (22) ، فكان صلّى الله عليه وسلّم أكرم الناس، وأشجع الناس (23) ، وأرحم الناس وأعظمهم تواضعاً، وعدلاً، وصبراً، ورفقاً، وأناة، وعفواً، وحلماً، وحياءً، وثباتاً على الحق.
(1) البخاري برقم 2697، ومسلم 1718.
(2) انظر: رسالة التحذير من البدع لسماحة شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز.
(3) سورة الأحزاب، الآية 21.
(4) البخاري برقم 1130، ومسلم برقم 2819.
(5) البخاري برقم 1147، ومسلم برقم 737.
(6) مسلم برقم 728.
(7) مسلم برقم 729، والبخاري برقم 1172.
(8) مسلم برقم 719.
(9) مسلم برقم 772.
(10) كتاب الصلاة لابن القيم ص 140.
(11) مسلم برقم 1160.
(12) الترمذي برقم 745، والنسائي 4/202 وغيرهما.
(13) البخاري رقم 1969 و1970، ومسلم برقم 1156 و1157.
(14) مسلم برقم 1164.
(15) البخاري برقم 1971، ومسلم 1156.
(16) البخاري برقم 2000 - 2007، ومسلم برقم 1125.