أولاً: بعد أن أساءت الصحيفة لنفسها وأساءت لمشاعرنا في التعرض لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم هبّت الأمة الإسلامية هبّةً فِطْرِيّةً صادقة , غيرةً ونصرةً لمن هداها من الظلمات إلى النور. ولا أُنْكِر أن ثمة مخلصين هم منْ بادروا بتعريف الأمة واستنهاضها , غير أن استجابة الأمة كانت أسرع وأكبر من أن نتذكر من هؤلاء الأشخاص , جزاهم الله عن نبيهم وأمتهم خير الجزاء . إننا - أمة الإسلام - أردناها نصرة لنبينا صلى الله عليه وسلم وحسب . ولا أستثني من ذلك أحداً . وهذا مبدأ ينبغي أن نلتزمه في حواراتنا حول هذا الموضوع . فلا يجوز التشكيك في النيات بأي حال من الأحوال , حتى لو أن بيننا أحداً أرادها لغير الله فلا يجوز أن نعامله على هذا الأساس إلا أن يكون بأيدينا دليل (( وليس قرينة ) )على نيته السيئة. علينا بالظاهر والله يتولى السرائر . ذلك منهج نبينا الذي ننصره بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم عامل الناس على ظواهرهم حتى المنافقين أجرى عليهم حكم الإسلام لماّ أظهروا إسلامهم وأبطنوا كفرهم . إن الاتهامات والتخوين والتشكيك نفق مظلم طويل ,من دخله أجهد نفسه دون أن يهتدي إلى نهاية صحيحة . وما زال هذا النفق هو مهرب المبطلين كلما أشرقت عليهم شمس الحقيقة كما قال كبيرهم فرعون حين ظهر الحق على يدي نبي الله موسى ]إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . ومع وضوح هذا المبدأ (( عدم التشكيك في النيات وأخذ الناس على ظاهرهم ) )إلا أن المرء يلمس من نفسه ومن بعض إخوانه بعض التفريط فيه إبّانَ الممارسات العملية . ولذلك كان التذكير بهذا المبدأ في فاتحة الحديث .
ثانياً: الخلاف في بعض وجوهه تنوّعٌ وثراء , ومشاركة ممتعة . ولا مانع هنا أن يوجد الصواب عند أحد الأتباع كما حدث هذا مع الحباب بن المنذر في غزوة بدر, وربما يجري الحق طيباً سائغاً على لسان امرأةٍ متوارية خلف خبائها كما حصل لأمنا أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية في حل أزمة تباطؤ الصحابة عن التحلل من عمرتهم . وربما لمع السداد في ذهن شابٍ حادّ الذهن . ولذلك كان عمر يستشير الشباب يبتغي حدة أذهانهم ,كما قاله الزهري . فلا غرابة إذن أن تتنوع الآراء- دون حجر على أحد - في معالجة أزمة الرسوم المسيئة , وما هي الطريقة الأحسن في التعامل مع هذا الحدث .
ثالثاً: ولكن في أي شيء يكون الخلاف ؟ وإلى متى يستمر الخلاف ؟ وإذا احتجنا إلى حسم الخلاف فمن له الحق في ذلك ؟ وهذه أسئلة كبيرة لا يمكن الإجابة عليها جميعاً. ولكن نأخذ من ذلك ما يهمنا في هذا الموقف ( موقف الرسوم والنصرة ) . ولا ريب أن هذا الموقف هو مما يحتمل تنوع الآراء واختلافها هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإنه موقف عملي ينبغي أن نتفق فيه على رأي موحّد حتى نخرج بموقفٍ قوي واحد ]إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ . ونَرجع إلى معينه الصافي سيرته العملية صلى الله عليه وسلم"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". لنرى كيف كان يتعامل مع مثل هذه المواقف . وحري بنا أن نرجع دائماً لسيرته صلى الله عليه وسلم لاسيما ونحن نناقش نصرته فليكن أول ما ننصره به اتباع طريقته وهديه في مواقفه العملية . وأشير باختصار إلى غزوة أحد حين سمح النبي صلى الله عليه وسلم بتنوع الآراء في كيفية مواجهة جيش المشركين , وكان رأيه أن يقاتل في المدينة ورأي الشباب أن يخرجوا إلى أحد . فلما جاء وقت العمل حسم الخلاف لأحد الرأيين ( وكان في ذلك الموقف هو رأي القتال خارج المدينة ) . فلمّا ذهب إلى أحد ترك عبد الله بن أبيّ بن سلول الجيش بحجة أن رأيه كان خيراً من رأي الشباب وانهزم بثلث الجيش .. فهنا طريقتان طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتماع ولو على رأي مفضول , وطريقة عبد الله بن أبي بن سلول التفرق بحجة الحرص على الرأي الفاضل . فلينظر امرئ ما يختار لنفسه ! . إن الاجتماع على رأي مفضول خير من التفرق على رأي فاضل . ] وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [. إذن لا مانع من التنوع وتقليب الآراء والخلاف حتى يبدأ الموقف العملي , فإذا جاءت المواقف العملية فيجب أن نتنازل عن بقية الآراء ونجتمع على رأي واحد ونخرج للأمم الأخرى صفاً واحداً . ويبقى السؤال هنا: من يحدّّد هذا الرأي دون بقية الآراء الباقية ؟ من يحق له الاختيار ؟