فهرس الكتاب

الصفحة 3471 من 3657

كل من رآه عرف من وجه أنه صادق، وما من أحد أدعى النبوة من الكذابين إلا وظهر عليه من الجهل، والكذب، والفجور، واستحواذ الشياطين ما فضحه، وما من أحد أدعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم، والصدق، والبر، وأنواع الخيرات ما يميزه، وهكذا قال تعالى: { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } ، إن خديجة رضي الله عنها وهي زوجته، قالت له لما رجع خائفاً من الغار: كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

لما عرف ورقة ابن نوفل ماذا حصل لنبينا في الغار، وسمع أول ما نزل عليه، قال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، لقد عرفه بحير الراهب بصفته وهو صغير،، وهكذا أعترف له عبد الله بن سالم بما في التوراة، وهكذا عرفته الجن لما سمعوا كلامه، أرسل الله إليه نفر من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولو إلى قومهم منذرين، قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى،، وهكذا عرفه ملك الروم هرقل لما سأل أبا سفيان أسئلة فأجابه عنها، ثم قال له هرقل:"سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قالها هذا القول قبله، لقلت: رجل يأتسي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس أتبعه أم ضعفائهم؟ فذكرت أن ضعفائهم أتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك الأمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطتاً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبد الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ( هرقل كان عنده علم من الكتاب ) ، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقائه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه". ولكن منع حب الرئاسة بعد ذلك هرقل من الدخول في الدين، وكان يجب عليه أن يترك ملكه وبلده ويأتي مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويعلن الدخول في دينه كما فعل النجاشي، وأمره النبي عليه الصلاة والسلام بالبقاء في بلده للمصالح العظيمة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ولهذا أخبرت الأنبياء المتقدمون أن المتنبأ الكذاب لا يدوم إلا مدة يسيرة وهذه من بعض حجج ملوك النصارى الذين يقال إنهم من ولد قيصر هذا أو من غيرهم، حيث رأى رجلاً يسب النبي صلى الله عليه وسلم من رؤوس النصارى ويرميه بالكذب، فجمع علماء النصارى وسألهم عن المتنبأ الكذاب، كم تبقى نبوته؟ فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء أن الكذاب المفتري لا يبقى إلا كذا وكذا سنة، لا يبقى إلا شيئاً يسيراً ثم يضمحل، ذكره لمدة قريبة من ثلاثين سنة ونحو ذلك، فقال لهم: هذا دين محمد له أكثر من خمسمائة أو ست مائة سنة في ذلك الوقت الذي حدثت فيه القصة، وهو ظاهر مقبول متبوع فكيف يكون هذا كذاباً؟ ثم ضرب عنق النصراني من أصحابه ورعيته ) .

عباد الله، كل من نظر في دين هذا النبي الكريم، كل من نظر في الوحي الذي جاء به هذا الرسول العظيم، يعرف صدقه، { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم } ، إي والله يعرفون محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه كما يعرفون أبناءهم، { يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون* الحق من ربك فلا تكنن من الممترين } ، وهكذا لما سمع النجاشي صدر سورة مريم سمع بعض ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من جعفر بن أبي طالب وغيره من الصحابة، قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت