قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وإن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه، ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد مثل هؤلاء الكفرة اليوم في بلادهم في حراسة، فيقول المسلمون: لا نستطيع الوصول إليهم وليسوا تحت سلطاننا لإقامة الحد عليهم، قال شيخ الإسلام: وإن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه، إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد ) ، ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة، عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون، والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر، يعني: الروم النصارى في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن الشهر، أو أكثر من الشهر، وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله والوقيعة في عرضه تعجلنا فتحه وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يوم أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة ويكون فيه ملحمة عظيمة.
قال قادة الفتح المسلمين: القادة العسكريون لأهل الإسلام شهادات من أرض المعركة، ومن الجبهات حتى إنا كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوه فيه.
وهكذا يقول شيخ الإسلام: حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل الغرب، يعني: المغرب، حالهم مع النصارى كذلك.
عباد الله، لقد وضع هرقل الكتاب الذي جاءه في قصبة من ذهب تعظيماً له، ولم يزل أولاده يتوارثون حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة، ثم كان عند سبطه، يقول بعض مؤرخي الإسلام السهلي: حدثني بعض أصحابنا أن عبد الملك بن سعد، أحد قواد المسلمين أجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب فلما رآه، المسلم أستعبر، دمعت عيناه وبكى، وسأله أن يمكنه من تقبيله، فأمتنع الملك الكافر أن يمكنه من تقبيل الخطاب، وذكر أبن حجر عن سيف الدين فليح المنصوري، أن ملك الفرنج أطلعه على صندوق مصفح بذهب، فأخرج منه مقلمة من ذهب، فأخرج منها كتاباً قد زالت أكثر حروفه، وقد التصقت عليه خرقة حرير، قال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه، ونكتمه عن النصارى، ليدوم الملك فينا.
أيها المسلمون، في التاريخ عبر وآيات في الحاضر والماضي، ذكر الشيخ أحمد شاكر رحمه الله المصري عن والده محمد شاكر، وكيل الأزهر سابقاً، وكان هنالك خطيباً مفوه متكلم، فصيح، يمدح أحد الأمراء، عندما أكرم طاه حسين، فقال ذلك الخطيب في خطبته لما جاء طاه حسين أعمى البصر والبصيرة، الذي قال: يجب القبول الحضارة الغربية بحلوها، ومرها، وإتباع سنن الكفرة في كل شيء، الذي طعن في القرآن وفي العربية، لما جاء طاه حسين إلى ذلك الكبير من الكبراء قام الخطيب يمدح ذلك الكبير فقال:
جاءه الأعمى فما عبس بوجه وما تولى
وماذا يعني هذا الكلام، غمز، إساءة للنبي عليه الصلاة والسلام، لأن الله قال عن قصته عليه الصلاة والسلام مع أبن أم مكتوم: { عبس وتولى أن جاءه الأعمى } ، وعاتب نبينا عليه الصلاة والسلام مع أن موقفه ذلك كان بسبب أن أم مكتوم قد أشغله عن دعوة كبراء قريش، وأراد الله أن يعلم نبيه الاهتمام بابن أم مكتوم حتى ولو على حساب كبراء قريش.
عباد الله، هذه اللمزة، في هذه الكلمة، خطيرة جداً، فلما صلى الخطيب هذا بالناس قام الشيخ محمد شاكر رحمه الله، وقال للناس: الصلاة خلفه باطلة، وأمرهم أن يعيدوا الصلاة، لأن الخطيب كفر بتلك الكلمة التي تعتبر تجريحاً وتعريضاً بالنبي عليه الصلاة والسلام، وما عاقبة هذا المجرم؟، قال الشيخ أحمد شاكر: ولم يدع الله لهذا المجرم جرمه في الدنيا قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقسم بالله: لقد رأيته بعيني رأسي بعد بعض سنين، وبعد أن كان عالياً منتفخاً مستعزاً بمن لاذا بهم، رأيته مهيناً ذليلاً خادماً على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين ليحفظها في ذلة وصغار، حتى لقد خجلت أن يراني وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه فما كان موضعاً للشفقة ولا شماتة فيه ولكن لما رأيت من العبرة والعظة.
ذهب أحدهم لنيل شهادة من شهادات العليا خارج البلاد، فلما أتم دراسته وهي تتعلق بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، طلب منه أستاذه من النصارى أن يسجل في رسالته ما فيه انتقاص من النبي عليه الصلاة والسلام وتعريض، فتردد الرجل بين القبول والرفض وأختار الدنيا في النهاية على الآخرة، وأجابهم إلى ما أراده طمعاً في الشهادة الملوثة، فلما عاد إلى بلده فوجئ بهلاك جميع أولاده وأهله في حادث مفاجئ، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى.
يا عباد الله، الله عزوجل قال لنا: { فالذين أمنوا به وعزروه } ، أي: قاموا في نصرته عليه الصلاة والسلام،