صاحبُ القلبِ العظيمِ ، يَعْطِفُ على الأرملةِ والمسكينِ ، ويُواسِي الفقيرَ والكَسيرَ ، وأحسنُ منْ وصفَهُ شريكةُ حياتهِ سيدةُ نساءِ أهلِ الجنةِ خديجةُ بنتُ خويلد (كلا وَاللّهِ لا يُخْزيكَ اللّهُ أبَداً،إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحَمِ، وَتَصْدُقُ الْحَديثَ، وَتُؤَدِّي الأمانَةَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلى نَوَائِبِ الْحَقِّ) .
وكانَ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ يُعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر َ، كانَ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ المرسلةِ:
تراهُ إذا ما جِئْتَهُ مُتَهَلِّلاً *** كأنَّك تُعطيهِ الَّذي أنتَ سائِلُهُ
تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفَّ حتى لَوَ نَّهُ *** ثَنَاها لِقَبْضٍ لَمْ تُطِعْهُ أنامِلُهُ
ولوْ لَمْ يَكُنْ في كَفِّهِ غيرَ روحِهِ *** لجَادَ بِهَا فلْيَتَّقِ اللهَ سائِلُهُ
صاحبُ البلاغةِ والبيانِ ، أُوتِي جوامعَ الكَلِمِ ، وكلامُهُ يأخذُ بالألبابِ ، وبيانُهُ يُلَيِّنُ الصُّمَّ الصِّلابَ، حَكَمَ بينَ النَّاسِ بالعدلِ وجاءَ بالشَّريعةِ والدِّين القائمِ على العدلِ فَنعِمَتْ البشريةُ بعدلهِ ورحمتهِ: مسلمِهِا وكافرِهِا بَرِّها وفاجرِهِا ، لجأَ إليهِ أعداؤُهُ ، وشَهِدَ بعدلهِ خصماؤُهُ ،كانَ شعارُهُ الصِّدقَ والأمانةَ وطَبَّقها بفعلهِ، وعُرِفَ بِها حتَّى قبلَ تبليغِ الرِّسالةِ ، ولمَّا بلغَ الرِّسالةَ لم يكنْ لهُ مطمعٌ منْ مطامعِ الدُّنيا الفانيةِ ، فسَما بنفسِهِ الشريفةِ عن المنافساتِ الأرضيةِ الوضيعة: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [سورة ص: 86] .
لا طريقَ إلى الجنة إلا من طريقهِ ومنْ خلالِ العملِ بسنتهِ ، فإليهِ يتحاكمُ المتحاكمونَ ويَصْدُرُ عنْ رأيهِ المتخاصمونَ ، (منْ عملَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ) أي مردودٌ على صاحبهِ غيرُ مقبولٍ .
أُمَّةُ الإسلامِ: محمد صلى الله عليه وسلم: أَحبَّهُ كُلُّ شَيْءٍ في الوجودِ: الإنسِ والجِنِّ والحيوانِ والجمادِ ، أمَّا الإنسُ فقدْ سَطَّرَ لنا التَّاريخُ البطولاتِ العجيبةِ في تسارعِ أصحابهِ رضوانُ اللهِ عليهم في الدِّفاعِ عنهُ ، بكُلِّ ما يستطيعونَ وقد فَدَوْهُ بآبائهِم وأمهاتِهم وأبنائِهم وأموالِهم وضَّحُوا بكُلِّ غالٍ نفيسٍ حتى وصلَ بِهم الحالُ أنَّهم لا يَتمنَّوْنَ أنْ يُصابَ بأيِّ كَدَرٍ ولا أذى ،ولَمَّا أُسِرَ أحدُ أصحابهِ منْ قِبلِ المشركينَ قالُوا لهُ: (أَتُحِبُّ أنَّ محمداً في مكانِكَ وأنَّكَ في أهلكَ ؟ فقالَ: واللهِ ما أُحِبُّ أنَّ محمداً الآنَ في مكانهَ الَّذي هُوَ فيهِ تُصيبهُ شوكةٌ تُؤذيه وأنَّي جالسٌ في أهلي ) قالها وهو يُعْرَضُ على الموتِ وماتَ شهيداً رَضِيَ اللهُ عنهُ ، ويومَ أُحُدٍ يقومُ أحدُ أصحابهِ ويجعلُ جسدهُ تُرْسَاً يَقِي بهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم منْ سهامِ المشركينَ فدخلتْ السِّهامُ في ظهرهِ وهُوَ يقولُ نَحْري دونَ نحركَ يارسولَ اللهِ، وَصَدْري دونَ صدركَ ، وقُتِلَ بينَ يديهِ دِفاعاً عنهُ صلى الله عليه وسلم اثنا عشَرَ بطلاً منْ أبطالِ الأنصارِ رضيَ اللهُ عنهُمْ وأرضَاهُمْ ، والسِّيرةُ مليئةٌ بأخبارِ مُحِبِّيهِ منْ أصحابهِ الذينَ طَبَّقُوا أقْوالهُم بِفِعَالهِم ، وأمَّا الجِنُّ فقد ذَكَرَ بعضُ أهلِ السِّيرِ أنَّ الجِنَّ كانتْ تقتلُ منْ يَسُبُّ الرَّسولَ منْ كُفَّارِ الِجنِّ ، وأمَّا الحيوانُ فهذا ( جملٌ يلجأُ إلى النَِّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَشْكُو مالِكَهُ، وعيناهُ تدمعانِ، فمسحَ عليهِ صلى الله عليه وسلم فَسَكَنَ وانتصرَ لهُ من مالِكِهِ الَّذي آذاه) ، وأمَّا الجمادُ فقد كانَ النَِّبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطبُ إلى جِذْعِ نخلةٍ قبلَ أنْ يتخذَ مِنبراً ولما اتخذَ المنبرَ وتركَ الجِذْعَ حَنَّ هذا الجذعُ وبكى وأَصْدرَ صوتاً كصوتِ الصَّبي الصَّغيرِ فوضعَ النَِّبيُّ يدهُ عليه فسَكَنَ ، وفي روايةٍ أنَّهُ ضَمَّهُ إليهِ .
أُمَّةُ الإسلامِ:إنَّ الأقلامَ تعجزُ أنْ تُوفِيَ محمداً صلى الله عليه وسلم حقهُ منَ البيانِ والثَّناءِ والاحترامِ والتَّوقيرِ والإكرامِ ،وإنَّ البيانَ ليعجزُ عنْ إشباعِ السَّامعِ بكُلِّ جوانبِ العظمةِ والرِّفعةِ والعِزَّةِ في حياتهِ صلى الله عليه وسلم .