فهرس الكتاب

الصفحة 3498 من 3657

يلقي البعض اللوم على الأمة الإسلامية لتخاذلها وضعفها من ناحية، أو لتكرار حوادث العنف التي تتبناها بعض فصائل الأمة تجاه الغرب. يرى البعض - مؤخراً - أن ما يسمى بالإرهاب الإسلامي هو سبب هجوم الغرب على الإسلام وعلى نبي الإسلام. ونسأل هؤلاء .. وهل كان الغرب يمدح النبي صلى الله عليه وسلم، أو حتى يسكت عن إيذاء شخصه الكريم وإهانته عندما كانت الأمة الإسلامية في حالة وفاق وسلام تام مع دول الغرب؟ إن الغرب لم يتوقف عن الهجوم على رسول الإسلام - فكرياً وعقدياً - طوال القرون الماضية، وهو موقف عام لم يشذ عنه إلا القليل من المفكرين والمتدينيين.

يرى البعض الآخر أن الهجوم على الإسلام أو على نبيه الكريم ليس إلا حالات فردية لمن يبتغون الشهرة، أو من يحملون أحقاداً على الإسلام. ويقوم هؤلاء بسرد بعض النقولات التاريخية أو المعاصرة لمفكرين غربيين يمدحون شخص النبي، ويعتبرون أو وجود هؤلاء يقدح في فكرة وجود عداء فكري عام في الغرب تجاه الإسلام أو شخص الرسول الكريم. والحقيقة أن الاستشهاد ببعض الأقوال - مع حذف السياق التاريخي لها - يمكن أن يكون مقنعاً بوجود إعجاب من بعض المفكرين الغربيين بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم.

لابد ان نلاحظ هنا أن معظم الاقتباسات الإيجابية من المفكرين الغربيين حول نبي الأمة إنما تصف مواقف النبي وعبقريته الإدارية والعسكرية والقيادية، ونجاحه في إقامة الحضارة الإسلامية، ولكنها لا تقدم هذا النبي الكريم بصفته مرسل من رب العالمين، أو يحمل رسالة سماوية يدين بها اليوم أكثر من مليار نسمة. إن معظم الثناء على الرسول في الفكر الغربي إنما هو ثناء على رمز سياسي أو اجتماعي .. وليس قبولاً أو إقراراً بأحقية الإسلام ونبيه الكريم في التنافس الحضاري الإنساني.

يقع البعض من أبناء الأمة من الدعاة والمصلحين في لبس بشأن ذلك، وهم يدافعون عن الغرب بوصفه معتدلاً أو متعدد الرؤى فيما يتعلق بني الإسلام صلوات الله وسلامه عليه. ما يغيب عن هذه الرؤية، ويعيبها أيضاً .. هو إدراك أن الفكر الغربي يتحرك وفق مجموعة من المسلمات الأساسية التي تخالف بقوة الدعوة المحمدية في المبادئ والمسلمات، وبالتالي فإن الأصل في العلاقة الفكرية بين الغرب وبين الإسلام لم يكن يوماً ما التوافق وإنما كانت العلاقة دائماً من النواحي الفكرية تميل إلى المواجهة وعدم الاتفاق.

من المهم أيضاً في هذا المقام ان نفصل بين أمرين: الأول هو العلاقات بين الشعوب، والتي كانت في كثير من الأحيان تميل إلى السلام والوئام، وكذلك العلاقات السياسية التي تتبدل وتتغير وفق المصالح. أما الأمر الثاني فهو الرؤى الفكرية تجاه النبي، والتي لم تتغير كثيراً في الغرب منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وحتى التاريخ المعاصر، وكانت في مجملها رؤى ومواقف معادية وصدامية.

إن الأحكام الفكرية لابد وأن تنطلق من الرؤى المشتركة والمستمرة عبر فترات زمنية طويلة، ولا تقاس على ما شذ من الأقوال أو الأفكار. والغرب عبر تاريخه الطويل من المواجهة الفكرية والدينية مع العالم الإسلامي كان دائماً يميل إلى الطعن في شخص النبي، وهو ما لم يتغير عبر قرون طويلة من العلاقة مع الغرب، ولذلك أسباب سيأتي بيانها في هذا المقال.

هل الغرب كيان فكري واحد؟

نرى قبل الحديث عن الموقف الفكري الغربي من النبي صلى الله عليه وسلم أن نؤكد إدراكنا أن الغرب ليس كياناً واحداً فيما يتعلق بالسياسات وطبائع الشعوب، ومواقف دول الغرب السياسية من العالم العربي والإسلامي. كما أن الغرب ليس كياناً واحداً أيضاً فيما يتعلق باهتماماته الدينية ومدى اقترابه أو ابتعاده عن دعوة ورسالة نبي الله عيسى عليه السلام أو الأديان بوجه عام. فليس كل الغرب متديناً وليس كل الغرب علمانياً أيضاً، وهناك فوارق كبيرة بين المدارس والمذاهب الدينية المختلفة داخل المسيحية في الغرب.

لكن رغم كل هذا التباين والاختلاف في السياسات والطبائع والتوجهات، إلا أن الغرب يكاد يكون كياناً واحداً عندما يتعلق الأمر بالجوانب الفكرية المتعلقة بعلاقاته مع الحضارات الأخرى والديانات التي تختلف عن ديانات الغرب. فرغم تعدد المدارس الفلسفية والفكرية في الغرب، إلا أن هناك قدر مشترك وواضح من المفاهيم الفكرية الأساسية عندما يتعلق الأمر بالرؤى المقابلة حول مستقبل البشرية وهدف الإنسان من الحياة على الأرض. لذلك فإن من الممكن أن يتم الحديث عن الغرب بوصفه كياناً واحداً عندما يتعلق الأمر بالحياة الفكرية الغربية في مقابل الحضارات الأخرى.

وسوف تتعامل هذه الدراسة مع الغرب ككيان فكري واحد من ناحية المنطلقات الأساسية للحضارة الغربية، والمبادئ التي قامت هذه الحضارة عليها، وعلاقة ذلك بموقف الغرب من النبي صلى الله عليه وسلم.

مشكلات الفكر الغربي مع نبي الإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت