إن المتدينين في الغرب - كما في الشرق أيضاً - يعشقون فكرة المعجزة لأنها خلاص من مواجهة واقع يطحن أحلامهم .. لذلك انتشر في التدين الغربي قصص المعجزات والخوارق وكرامات القديسين، وأصبح ذلك مكوناً رئيسيا من مكونات التدين المسيحي الغربي. أما محمداً صلى الله عليه وسلم فقد جسد إمكانية انتصار الإنسان دون حاجة إلى المعجزات .. لقد كانت حياة الرسول - في نظرهم - خالية من المعجزات، والحياة الغربية قاسية، والتدين فيها يسمح للفرد أن يحلم بالمعجزة للفرار من الواقع، ونبي الإسلام لا يعد بالمعجزات، وإنما بحياة مليئة بالجهد والجد والمعاناة من أجل آخرة يمكن فيها الاستمتاع بالجنة.
لقد نجح من حرفوا دين المسيح أن يقنعوا أنصار المسيح في الفكر الغربي، أن لهم أن يجمعوا بين كل متع الدنيا - فقد دفع ثمن ذلك المسيح - وأن يجمعوا معها أيضاً النجاة في الآخرة لأنهم أحبوا المسيح. وهكذا يتفرغ المتدين للحياة دون الحاجة الحقيقية للعمل فإن محبة المسيح كافية للجنة. أما محمداً فإن دينه ودعوته تطلب من الإنسان الكثير، ولا تعد بالمقابل إلا بأمل في رحمة الله. كيف إذن لمن يعتنق الفكر النفعي أن يحب محمداً؟
ويروي الكاتب العربي هشام جعيط في تحليله للشخصية الأوربية كيف أنها نظرت للعالم الإسلامي ولدعوة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:"يسير تاريخ الإسلام لا وفق ديناميكيته الخاصة، بل كانعكاس شاحب ومعكوس لتاريخ الغرب. لنأخذ مثلا على ذلك: شخصية محمد. نلاحظ أنه ضمن كل تحليل لهذه الشخصية تنساب عملية مقارنة مع المسيح. إذا كان محمد غير صادق فذلك لأن المسيح كان صادقا؛ وإذا كان متعدد الزوجات وشهوانيا، فلأن المسيح كان عفيفا؛ وإذا كان محمد محاربا وسياسيا فذلك استنادا إلى يسوع مسالم، مغلوب ومعذب" [ii] .
تجذر فكرة النبوة الكاذبة
قامت الكنيسة الغربية تحديداً منذ بداية الإسلام بالطعن في صدق نبوة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يزال هذا الموقف هو السمت المشترك لمعظم المفكرين المتدينين الغربيين، رغم أن بعضهم قد تنازل ووصف النبي ببعض الصفات الإيجابية كقائد سياسي، أو مصلح إنساني، أو إنسان طموح، ولكن ليس كنبي يوحى إليه. وأخطأ كثير منا في فهم دلالة العبارات، والتي تطير بها وكالات الأنباء العربية والإسلامية، وكأنها تمثل تحولاً فكرياً في نظرة الغرب للنبي. فكم تغنينا بعبارة أن"العظماء مائة وأعظمهم محمد"وغيرها من العبارات التي يكثر تقديمها في هذا السياق.
كما تسببت هذه الرؤية في كذب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في تكوين فكرة مسيحية استقرت في أذهان الكثير من المفكرين الدينيين في الغرب. هذه الرؤية تتصور أن هذه النبوة الكاذبة في ظنهم قد أوقفت تطور الإنسانية باتجاه المسيحية. يقول أحدهم:"لقد أمكن لمحمد أن يكون إمبراطورية سياسية ودينية على حساب موسى والمسيح". [iii]
ويلحظ أحد المفكرين أن فكرة أن النبي لم يكن نبيا حقيقيا صادقا قد تجذرت دون أن يصدها أي ريب أو شك أو حتى محاولة للتفهم الحقيقي للرسالة الإسلامية عند مفكرين عديدين من القرون الوسطى، أمثال ريمون مارتن، وريطولدو، ومارك دي تولاد، وروجيه بيكون. وتحولت دعوة الإسلام في نظر هؤلاء إلى رسالة ناسوتية أملتها مشاريع المصالح السوداء الدنيوية والشخصية. أما القرآن فليس سوى مجموعة من الخرافات مستعارة من التوراة وبشكل مشوه في نظر هؤلاء.
ولذلك يبقى الإسلام في نظر الغالبية العظمى من مفكري الغرب ديناً زائفاً مهما بلغت نجاحاته، ومهما ادعى أنه أفضل من الدين المسيحي الذي تركه معظم الشعب الأوربي عملياً، ولكنه لا يزال يحرك معتقداته الفكرية في التعامل مع الآخرين بقوة.
هوس فكري
إن كل تساؤل وانشغال كبير بالآخر إنما يعكس في طياته هوساً بهذا الآخر. وقد قدم الإسلام منذ ظهوره ذلك"الآخر"الذي عرفت أوربا نفسها وطموحاتها من خلال مقابلته والمصادمات معه. فرغم أن الإسلام في بداية انتشاره لم يول الغرب أي اهتمام - لتخلف الغرب حينها- إلا أن الإسلام وشخصية النبي محمد بوصفها تجسيداً للكمال الإنساني لدى أنصار الإسلام قد أصبحا محور الهجوم المستمر لمفكري الغرب لتأكيد فكرة أن الغرب أفضل من الشرق. حقاً أن أوربا قد تخلت عن الفكرة المسيحية، ولكنها لا تستطيع أن تتحرر مطلقاً من أثر الفكر المسيحي على شعوبها. وهذا الفكر المسيحي الغربي قد توحد عبر القرون الماضية حول فكرة معاداة الإسلام، وتقديم نموذج شخصية المسيح عليه السلام - بعد تحريفها- في مواجهة شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما يفسر الهوس الغربي بالهجوم على النبي.