فهرس الكتاب

الصفحة 3501 من 3657

أما بالنسبة للاتجاه غير المتدين - كما يذكر أحد المفكرين العرب- الذي يؤثر أكثر فأكثر في الحقيقة الاجتماعية الأوربية بمرور الزمن. فمنذ أن تحررت الفكرة العلمانية من الضغط المسيحي على التأمل العقلاني وعلى الممارسة السياسية، انفتحت نظرة جديدة للكون. هذه النظرة الجديدة مكنت من رؤية الإسلام بعمق، كجزء متمم وهام من الحياة الإنسانية، ولكنه أيضاً خصم سياسي وعسكري عنيد تمثل في ذلك الوقت في الإمبراطورية العثمانية.

لذلك استمر العداء رغم اختلاف القوى المحركة له، واستمر الهوس بالعالم الإسلامي. وظهرت الانتقائية الفكرية الغربية التي ترى أن الإمبريالية ليست إلا مهمة حضارية للارتقاء بشعوب الأرض، وأن مقاومتها من قبل المسلمين الذين يتمثلون شخصية نبيهم ليسوا إلا برابرة يجب القضاء عليهم من أجل استمرار المهمة الحضارية نحو هدفها في تنقية الجنس البشري من كل أنواع البرابرة، وعلى رأسهم أنصار محمداً.

مرآة داكنة لواقع الغرب

يرى البعض في الغرب في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً متكاملاً لنوع من الكمال الإنساني الذي لا يمكن للغرب بأفكاره ونظرياته وممارساته أن يصل لها. وعند هذا الفريق من الغربيين، يصبح القضاء على هذا النموذج هماً حقيقياً بذاته. فكأن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تمثل ذلك الضمير الذي يوخز الغرب في جنباته، وكأنه مرآة داكنة توضح لهم بالدليل الواقعي مدى التردي الذي وصل إليه حال الشخصية الغربية نتيجة لابتعادها عن النموذج المحمدي.

قد يعترض بعض المفكرين العرب بل والمسلمين على تصوير واقع الشخصية الغربية بهذا الشكل المأساوي، ولكن الحقيقة أن هناك فراغ روحي ضخم في الغرب بالعموم، ويظهر ذلك من ارتفاع معدلات الجريمة والإدمان والانتحار وانتشار الرذائل، بل وتصديرها إلى كل أنحاء العالم. وفي المقابل تظهر الشخصية المسلمة التي يمثلها النبي صلى الله عليه وسلم كمقابل حاد في مواجهته لتلك الشخصية الغربية. ومنها هنا نجد الهجوم الشديد والمتكرر على شخص النبي صلى الله عليه وسلم.

مشروع مواز للغرب

إن أحد مشكلات عداء الغرب التاريخي للنبي صلى الله عليه وسلم، هو أنه جاء بنظام سياسي وفكري متكامل ينازع الغرب في المسلمات الأساسية، وكذلك في طرق التنظيم والإدارة وسياسة المجتمعات، وأخيراً في نمط العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع، وبين المجتمعات المختلفة. إنه ببساطة نظام متكامل مواز للنظام الغربي، ولا يلتقي معه، وإنما يقدم بديلاً قوياً وخطيراً له.

وكما يذكر أحد المفكرين العرب فإن"الخوف من قوة الإسلام المحركة يأخذ في اللحظات التراجييدية شكل الدفاع والصراع والمشاجرة، أحد أكثر الأشكال الانفعالية في التاريخ. لقد أبرز مفهوم الإسلام السياسي كتهديد متواتر، ومفهوم الدين السياسي كبنية تاريخية في أصول الإسلام. يقول غولديهر: إن الإسلام قد جعل الدين دنيوياً لقد أراد أن يبني حكماً لهذا العالم بوسائل هذا العالم." [iv]

لذلك هاجم المفكرون الغربيون بشدة المشروع الحضاري الإسلامي، واعتبروه خطراً كبيراً يهدد سيادة الفكر الغربي وانتصار الحضارة الغربية، ونهاية التاريخ. ولم يبدأ هذا الأمر مع أحداث سبتمبر، أو مع نشوء فكرة صدام الحضارات أو نظرية نهاية التاريخ، وإنما سبق ذلك بقرون عديدة، واستمر يغذي الشخصية الغربية بمبررات العداء للعالم الإسلامي ولشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وأنظر إلى أحدهم عندما يقول منذ أكثر من قرنين من الزمان:"يجب القول إن من بين كل الذين تجرءوا على سن القوانين للشعوب، لم يكن واحد منهم أجهل من محمد. و بين كل الإبداعات الخرقاء للفكر الإنساني، لم يكن هناك أتعس من كتابه. وما يحدث في آسيا منذ ألف ومائتي سنة يمكن أن يكون البرهان، لأننا لو أردنا الانتقال من موضوع خاص إلى ملاحظات عامة، لكان من السهل البرهان أن الاضطرابات في الدول، وجهل الشعوب في هذه المنطقة من العالم إنما هو تأثير مباشر، إلى حد ما، للقرآن ولأخلاقه." [v]

إحياء فكرة المواجهة

يرى الكثير من المفكرين الغربيين أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو من تسبب في إحياء روح المقاومة والمواجهة في حياة العرب والمسلمين، وأن الدين الإسلامي هو المحرك الرئيس لجميع أفكار المقاومة الموجودة في أفكار وتصرفات الشعوب الإسلامية. والمقاومة هنا - ليست فقط فكرة مقاومة العدوان - وإنما كل أشكال الانتصار على النفس وعلى الآخر.

يرى المفكرون الغربيون أن رسالة محمد، وأفكار محمد، ودعوة محمد تقديم الرصيد الفكري والنفسي والعقدي لجهد المسلم في الانتصار على نفسه وعدم التسليم لشهوات الحياة ومتع الدنيا التي يتفنن الغرب في محاولة تقديمها للأمة. كما أن المقاومة تمتد لتمنع الكثير من محاولات الهيمنة الفكرية والثقافية على الحياة الإسلامية والعربية من قبل الغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت