ولا شك أنَّ الموضوع أكبر من أن أَكشفه على حقيقته فيما يتعلق بالسلوك الحكومي الدنمركي في مقال ، ولكن هذا لن يمنعني - إن شاء الله تعالى - من الحديث عن هذا الموضوع فيما يتعلق بالجهود الإسلامية ، من خلال نقاط واضحة بعيدة عن التعقيد القانوني ، مساهمة في نشر الوعي العام بمثل هذه القضايا ، وتوضيحاً لبعض حججنا نحن المسلمين في تعاملنا العادل مع إجراء المقاطعة الاقتصادية الشعبية ، وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يمنع مثل حدوث هذا التوتر مستقبلا .
2)ومسألة المقاطعة الشعبية من المسائل التي اختلف فيها القانونيون الدوليون ؛ وفي عالم شرّاح القوانين ، فإنًَّ المسائل القانونية الدولية شائكة ، والاختلاف القانوني - بوجه عام - لا يقارن بالاختلاف في المسائل الفقهية الخلافية لدى فقهاء المسلمين ، لأسباب عديدة أهمها: أنَّ مرجعية المسلمين -كلِّهم - واحدة وهي الكتاب والسنة ، فهما محلّ إجماع بينهم كما نصّ على ذلك علماء الأصول حتى عند المبتدعة كما يقول ابن تيمية رحمه الله ؛ بينما لا توجد مرجعية متفق عليها بين القانونين ، ودراساتهم في صورتها العلمية الموضوعية عقلية محضة ، ولذا ربما تتعدّد بتعدّد المدارس القانونية وخلفياتها الفكرية والثقافية والعرفية ، وما يتفرّع عنها ؛ بل ربما تغير حكمها من جذوره لتقلبات المزاج السياسي أو الشعبي ( تغير الرأي العام ) ، وهذا موضوع - أيضاً - يطول الحديث فيه ، وله مباحث خاصّة في بعض كتب القانون الغربية . ولكي تتضح الرؤية القانونية في هذا الموضوع ، رأيت بيانه من خلال النقاط الآتية:
أولاً: المراد بالمقاطعة الاقتصادية (Boycott) :
ورد التعبير بـ ( المقاطعة الاقتصادية ) في المادة (16) من عهد عصبة الأمم ، كما ورد في المادة (41) من ميثاق الأمم المتحدة . ومن أشهر تعريفاتها ، أنَّها:"إجراء تلجأ إليه سلطات الدولة أو هيئاتها وأفرادها المشتغلون بالتجارة لوقف العلاقات التجارية مع دولة أخرى ومنع التعامل مع رعاياها بقصد الضغط الاقتصادي عليها ، رداً على ارتكابها لأعمال عدوانية"، وهذا التعريف يتفق مع قاموس القانون الدولي والقاموس الدبلوماسي .
أو هي كما يقول جيرهارد فان غلان:"شكل حديث من الإجراءات الانتقامية ، يشمل تعليق التعامل والعلاقات التجارية من جانب رعايا الدولة المتضرِّرة مع رعايا الدولة المسيئة".
ويفرِّق القانونيون الدوليون بين وسيلتي الضغط الاقتصادي الأخريين: ( الرد بالمثل ) و ( الأعمال الانتقامية ) ، بأنَّ المقاطعة الاقتصادية قد تصدر من قبل الأفراد العاديين ، بينما لا يصدر ( الرد بالمثل ) و ( الأعمال الانتقامية ) إلا عن طريق الدول والحكومات . ومثلهما ( الحظر الاقتصادي ) الذي يعني منع الصادرات المتجهة إلى دولة أو مجموعة دول معينة بصفة كاملة أو جزئية . ومن هنا جاء التفريق بين المقاطعة الاقتصادية الشعبية والرسمية كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
ثانياً: أقسام المقاطعة الاقتصادية من جهة مصدرها:
يقسِّم القانونيون المقاطعة الاقتصادية من جهة مصدرها ، إلى ثلاثة أقسام:
الأول: المقاطعة الاقتصادية الأهلية ( الشعبية ) . وهي التي يفرضها ويتولّى تطبيقها الأفراد أو الهيئات غير الرسمية ، بدافع من عواطفهم وحماسهم الوطني - مثلاً - فيقرِّروا إيقاف التعامل بالبضائع والمنتجات المستوردة من الدولة المعتدية وإيقاف التصدير إليها ، وقد يشمل ذلك الامتناع عن التعامل مع رعاياها ، كما يقول بيير رينوفان وغيره .
و أمثلتها كثيرة جداً ، فمنها ما سبق ذكره في أول المقال عن مقاطعة الدنمركيين للألمان بسبب الحد من استعمال اللغة الدنمركية في في مقاطعة شيلسفسغ . ومنها مقاطعة الشعب الصيني للبضائع الأمريكية عام 1906م ، بسبب وضع قيود على هجرة الصينيين واستيطانهم فيها . وقد تكررت من الصينيين ضد اليابان ما يقارب تسع مرات . ومنها مقاطعة الأتراك 1908م للبضائع النمساوية لضمها إقليما بوسنويا ، واليونانية عام 1909-1910م لتقديمها مساعدات للثوار الكريتين . وكذلك مقاطعة الهنود الوطنيون بقيادة غاندي للمنتجات البريطانية عام 1920م . ومنها مقاطعة الحركة الشعبية الواسعة للمنتجات اليابانية ، التي تأسست قبيل الحرب العالمية الثانية ؛ وغيرها كثير .
الثاني: المقاطعة الاقتصادية الرسمية (الحكومية) . وهي التي يتقرّر فرضها من قبل سلطات الدولة المسؤولة ضد جماعات أو دولة معتدية . وهنا يفرِّق القانونيون بين المقاطعة الرسمية في حال السلم ، والمقاطعة الرسمية في حال الحرب . ومن أمثلتها المقاطعة التي فرضتها البلدان العربية على المنتجات الصهيونية في فلسطين المحتلة ، تطبيقاً لقرار مجلس جامعة الدول العربية رقم16 ، الدورة الثانية في 2/12/1945م بغرض إعاقة تمكين الصهاينة من تحقيق وطن قومي لهم في فلسطين .