الثالث: المقاطعة الجماعية التي تقرِّرها منظمة دولية . وهي التي تفرضها المنظمات الدولية استنادا إلى ميثاق المنظمة ، جزاء على انتهاك الدولة للميثاق . ومن أمثلتها - التي سبقت ازدواجية المعايير والتأثير الأمريكي على قرارات المنظمات الدولية - المقاطعة الاقتصادية التي قررتها الأمم المتحدة على الصين وكوريا الشمالية عام 1951م ، وعلى جنوب أفريقيا عام 1962م .
وهذان القسمان الأخيران ، لا إشكال في قانونيتهما ، وهما محلّ اتفاق على ما يظهر ، فيرون أنّ من حقّ الدول المتحاربة اللجوء إلى المقاطعة الاقتصادية وقت الحرب ، وإن اختلفوا في تكييفها .
وعلى كل حال فالذي يهمنا هنا هو القسم الأول .
ثالثاً: هل المقاطعة الشعبية تدخل ضمن مسؤولية الدولة التي وقعت فيها ؟
شكّك مارسيل سيبر أحد شرّاح القانون الدولي في استقلال المقاطعة الشعبية عن المقاطعة الرسمية ، ولكنّ آخرين ، من أمثال شوارزنبرجر ، و لوترباخت ، رفضوا هذا التشكيك ، وبيّنوا أنَّ الدولة لا تكون مسؤولة إلا عن تصرفات أعضائها الرسميين . وهذا الرأي يؤيده كثير من القانونيين الدوليين ، وتؤكِّده السياسات الدولية ، وما صدر فيها من قرارت كما سيأتي إن شاء الله تعالى . وإن كانت بعض الدول قد منعت المقاطعة الشعبية قانوناً ، لكونها كانت قد التزمت سياسة الحياد كما في المرسوم السويسري الصادر عام 1939م الذي منع المواطنين من تبني المقاطعة الاقتصادية ضد دول أجنبية .
ومما يؤكِّد عدم مسؤولية الدولة عن المقاطعة الشعبية التي تصدر من المواطنين ضد المنتجات الأجنبية لدولة ما ، بسبب موقفها أو موقف شعبها من قضايا مسيئة إلى الشعب أو الأمة المقاطِعة - أنَّه لا يوجد مستند قانوني دولي يحمِّل الدولة مسؤولية تصرف شعبي سلمي ، لم تشارك فيه السلطة الرسمية ولم تدعمه أو تحرض عليه .
فيرى شوارزنبرجر أنَّ الدولة إنَّما تكون مسؤولة عن تصرفات أعضائها الحكوميين ، ولكنَّها غير مسؤولة عن التصرفات التي تصدر من أشخاصٍ غير رسميين ؛ وأنَّ المقاطعة التي تنظِّمها المؤسسات والتنظيمات الخاصّة في الدولة الديمقراطية ما لم تشجعها الدولة ، أو أن يؤدي ذلك إلى قطع العلاقات ونقض الاتفاقيات التجارية مع الدول التي خضعت صادراتها للمقاطعة .
و يرى لوترباخت ، أنَّه من الصعب تحديد الأسس التي تقوم عليها المسؤولية الدولية عند عدم وجود اتفاقية تجارية أو عند عدم مخالفة قواعد القانون الدولي الخاصّة بحماية أرواح الأجانب وممتلكاتهم . وأنَّ من الصعوبة أيضاً أنَّ نحدد كيف يمكن أن تكون الدولة مسؤولة مسؤولية دولية بسبب المقاطعة الأهلية المفروضة على بلد آخر .
يقول جيرهارد فان غلان في بيان موقف القانون الدولي من المقاطعة الشعبية:"ما دام هذا العمل يتم بصورة طوعية ولا يشتمل على أي ضغط أو إلحاح من الحكومة أو على أيِّ إجراء رسمي لدعمه ، فإنَّ المقاطعة لا تُشكِّل مسؤولية على الدولة ، وتبقى خارج نطاق القانون الدولي ."
لكن إذا تورطت حكومة الدولة المُتَضَرِّرة في المقاطعة بأي شكل من الأشكال ؛ فإنَّ ذلك التورّط يخلق مسؤولية ويُمثِّل وسيلة للمساعدة الذاتية . وإذا لم تكن الدولة المقصودة بالمقاطعة قد ارتكبت أيّ عمل عدائي نحو الدّولة التي أعلنت المقاطعة ، اعتبر ذلك العمل ( المقاطعة ) عملاً غير ودِّيٍّ ، وأثار احتمال احتجاجات شرعية من جانب الدولة التي يتأثر رعاياها بالمقاطعة"."
بل إنَّ في القوانين والأعراف الدولية ما يسند المقاطعة الشعبية ؛ كما يقول قطب العربي:"فالمتفحص لحقوق المستهلك كما أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 248/39 الصادر في 9 إبريل 1985، يجد أن أبرزها هو الحق في الاختيار ؛ أي الحق في أن يكون المواطن قادرًا على الاختيار في مجال المنتجات والخدمات المقدمة بأسعار تنافسية مع تأمين درجة الجودة الكافية . ولم تقيد الأمم المتحدة هذا الحق بأي قيود سياسية . ويترتب على ذلك أنه يجوز للمستهلك بداهة أن يختار - على سبيل المثال- السلع الوطنية تدعيما لاقتصاد الدولة التي ينتمي إليها . وبالتالي فيكون له الحق في مقاطعة أي سلعة".
ومن هنا يرى قطب العربي: أنَّ"هذا الموقف الأوربي يعتمد على قانون القوة و ( العين الحمراء ) ، وليس قوانين منظمة التجارة ؛ فالمقاطعة التي تجري الآن هي مقاطعة شعبية والمجمعات الاستهلاكية والمحلات التي تلتزم بها هي هيئات أهلية تعاونية ، وليست وزارات حكومية ، ولا تتبع حتى هذه الوزارات ، حتى تشرع أوربا سلاح منظمة التجارة في وجهها ."
كما أنَّ الحكومات العربية والإسلامية لم تعلن المقاطعة بشكل رسمي ، وإن كان الكثير منها أخذ مواقف سياسية تفرضها عليه التزاماته الدينية والأخلاقية، وتسمح بها الأعراف والقوانين الدولية .