فهرس الكتاب

الصفحة 3537 من 3657

وقد نفى مراقبون مسلمون رؤية السعي وراء رفع توزيعات الجريدة معتبرين أن ثمة وعي مرتفع بين المثقفين بحساسية الموقف انطلاقا من مفهوم الحرية المسؤولة.

كما أصر مراقبون مسلمون على رفض تعميم الموقف من قضية المقدسات على عموم المشهد الأوروبي؛ بسبيل التأكيد على أنها مواجهات سياسية متوقعة؛ وأن توقعها يستند إما إلى الصورة الإعلامية السلبية التي تغذيها بعض دوائر الإعلام، أو يستند إلى تنامي الوعي اليميني لدى بعض الشرائح الاجتماعية الغربية، وهو ما يعكسه فوز بعض الأحزاب اليمينية في بعض الدول الأوروبية.

2 -مستوى تطور الأزمة:

تختلف صورة النموذج الإدراكي الذي يمكن استخدامه لتوصيف الأزمة في مطلعها عن ذلك الذي يمكن استخدامه لتوصيف الأزمة في مسلسل تطورها. لكن مع ذلك نود أن نلفت الانتباه إلى أن الاتجاهات التي أصرت على اعتبار الموقف مواجهة سياسية ثقافية بين نوعين من الفصائل أولهما يميني ذو توجهات تميل نحو العنصرية أو على الأقل ترغب في تفادي وجود حالة إسلامية في أوروبا بسبب ما بين أيدينا من سيل التدفقات الإعلامية التي تربط - تجاوزا - بين الوجود الإسلامي والمسالك الإرهابية، والطرف الثاني هو أطياف الوجود المسلم بأوروبا الذي يتراوح بين متدينين بأطيافهم وبين غير المتدينين.

إلا أن هذا لا يمنعنا من أن نضيف لتفسيرات الصراع اليميني - الإسلامي مجموعة أخرى من التفسيرات ارتبطت بتطور القضية، وذلك على النحو التالي:

أ - يرى البعض أن مناخ التضييق والإحباط وبيئة الاتهام التي يعيش به مسلمو أوروبا قد أفضى بهم إلى حالة من الضيق والسخط السياسي، عززه ما توالى نشره من قبل عن إهانة القرآن في جوانتانامو وأبو غريب وغيرها، فضلا عن تجاهل المنظور الحقوقي في التعامل مع المسلمين، وهو ما حدا بهم إلى التحرك سعيا للوصول لوقفة مراجعة مع بيئتهم الأوروبية.

ب - طرح بعض المراقبين أيضا فكرة أن إدراج القضايا المتعلقة بالوجود المسلم في العقل الغربي وعقده الاجتماعي كانت بحاجة إلى وقفة صراعية جادة؛ كما يسير الأمر دوما في التاريخ الغربي الذي تقر فيه القضايا المصيرية عبر مواجهة صراعية، وهو ما دفع المسلمين للمطالبة بوقفة جادة حيال قضاياهم وقضايا النظر إليهم.

جـ - كما طرح البعض فكرة أن التطور السلبي الذي حدث للقضية على المسرح الأوروبي كان مرده إلى تعالي الصيحات المطالبة بمقاطعة المنتجات الدانمركية التي تعتبر جزء من الهوية الأوروبية، وهو ما زكى تنامي النعرة الأوروبية التي حرصت على استفزاز العالم الإسلامي لاختبار جدوى المقاطعة.

د - كما طرح البعض أيضا فكرة رغبة بعض الدوائر في تكريس اشتعال الأزمة لجعل خيار حوار الحضارات خيارا صعب المنال حينما يصطدم برغبة العالم الإسلامي - النامي - في اعتذار العالم الغربي - المتقدم، مما يخلق حالة وعي يميني عامة يتصاعد فيها التيار اليميني بقوة للحكم في غالبية الدول الأوروبية، مما يؤدي لتنامي الاتجاه الرسمي الرافض لتنامي الوجود المسلم بأوروبا؛ بل وتقليصه.

وبصرف النظر عن الفحوى الهامة لهذه الأطروحات، فإن الرؤى التي تعالج الأمر خارج دائرة الصراع اليميني - الإسلامي تتسم بدرجة من الجزئية والسطحية التي لا تغني عن اعتبار الرؤى اليمينية، ولكن لا يمكن استبعادها بحال، لأن هذا الاستبعاد يضعنا أمام هذا الخيار الأحادي الصراعي الصلب.

ثانيا: المشهد في بيئته العربية الإسلامية:

أما عن ملامح المشهد على الصعيد الجغرافي العربي والإسلامي فقد اتفقت النماذج التفسيرية والإدراكية على حضور عاملين مهمين يكاد يقصر الأمر عليهما، هذان العاملان هما:

1 -وجود حالة عامة من حالات السخط الشعبي في العالمين العربي والإسلامي بسبب توارد وتواتر وتواصل الأنباء عن الحالة الغربية الآنية، والتي تتمثل في صورة مركبة من مشهد المشروع الاستعماري الغربي وفي طليعته الولايات المتحدة، مضافا إليه مشهد الصلف الثقافي الغربي الذي يتجلى في استمرار توافد الأنباء عن حالات إهانة للمقدسات الإسلامية، بدءا بالتبول على القرآن في جوانتانامو وأبو غريب، وانتهاءا بالإساءة للرسول في الدانمرك.. إلخ، وهو ما يفسر استمرار التظاهرات الرافضة لهذه الإساءة للرسول من باكستان وحتى فنزويلا والتي اتهمت الولايات المتحدة برغم أن الحدث أوروبي المركز والتداعيات.

2 -كما أشار المراقبون لسعي عدد كبير من الحكومات العربية لانتهاز الحدث والحصول على قدر من الشرعية الدينية يعوض تآكل شرعيتها، ومنها أنظمة علمانية صارمة، أو أنظمة تشترك في الحلف الأميركي على ظاهرة الإرهاب وتريد أن ترسل رسائل لشعبها مفادها أن"الاشتراك في الحرب على الإرهاب ليس معناه معاداة الإسلام". وهو ما يفسر وقفة غالبية الأنظمة العربية إلى جانب خيار المقاطعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت