وفي هذا الإطار وجد رصيد السخط الشعبي العربي والإسلامي رصيدا من المساندة في قراره بمقاطعة منتجات الدانمرك بدءا من البيان الرئاسي المصري الرافض وسحب الخارجية السعودية لسفيرها بالدانمرك وإقالة وزير الأمن الليبي لتصديه بالقوة للتظاهرات الليبية الغاضبة من الإساءة للرسول.. إلخ.
واستدراكا على هذا الملمح يضيف البعض قيدا هاما يتمثل في أن محصلة الغضبة الشعبية العربية والإسلامية لم يستفحل تأثيرها بسبب اغتنام كثير من الدول العربية والإسلامية وسيلة تحصيل الشرعية هذه، بل لأن الدولة الضحية"الدانمرك"دولة تقع على هامش مجموعة دول الشمال، وأن الأمر لو تعلق بدولة أكبر، كما حدث حين تبول جنود أميركيون على القرآن، لكان الأمر قد اختلف، وهو ما أكده مراقبون انتبهوا لرغبة البعض في استغلال نشر صحف أوروبية للرسوم المسيئة لتحويل المقاطعة لمشروع قومي تتم فيه مقاطعة كل منتجات دول الشمال التي لها بدائل عربية وإسلامية، حيث ذهبت هذه الدعوة أدراج الرياح بالرغم من حيويتها المنهجية.
ما بعد المشهد.. تقييم الاستجابات المختلفة
أ - استجابات المسلمين في البيئة الغربية:
فيما يتعلق بالبيئة الغربية، كثيرة هي الآراء التي اعتبرت أن مواقف الأقليات المسلمة في الغرب تطورت بصورة إيجابية خلال الأزمة. وبرغم أن هذه الرؤية صحيحة، لكنها ليست الأصح. فالحالة الإسلامية في الغرب تتعدد اتجاهاتها بين أطياف متعددة وكثيرة. ونحن لا نتحدث عن اتجاهين أو ثلاثة، بل نتحدث عن أكثر من ذلك بين من يرون أن مرجعيتهم هي الإسلام.
فلو نظرنا للحالة الإسلامية في أوروبا سنجد المحافظين وسنجد الاندماجيين، وبين المحافظين تعدد في الخطابات ما بين الرؤى السلفية ورؤى حزب التحرير ورؤى الأحزاب الإسلامية ذات الأيديولوجية العنفية التي استقدمتها بريطانيا لأرضها. وأما الاندماجيين فمن بينهم من يدعو لحالة علمانية شاملة تكون الدولة فيها محايدة حيال المعتقدات، ومنهم من يريد استيعاب الدين الإسلامي في مشروع توافق يفضي لعقد اجتماعي جديد، ومنهم من يتصرف باعتباره مواطنا غربيا ولا يرى ضرورة رفع لافتة تشير إلى انتمائه الإثني.
ولابد في هذا الإطار من أن نشير إلى أن الحالتين السنية والشيعية تتشابهان في أوجه الانقسام، وإن كان الغالب عليها اتساع التيارات المحافظة، وإن كان هذا لا يعني تضاؤل نطاق الاندماجيين بينهم بصورة طاغية.
أما لو نظرنا للمهاجرين الذين يريدون الاندماج في المجتمع الأوروبي بغير مرجعية إسلامية فسنجدهم كثرة، ومع ذلك فهذه القضية تمسهم من زاوية أخرى تتمثل في إهانة الثقافة التي ينتمي إليها.
وإن كانت الصورة الخاصة بالتعددية في الرؤى والتيارات السياسية والفكرية المسلمة في الغرب قد اتضحت؛ فيمكننا أن نعرض تاليا لأهم ثلاث رؤى برزت أثناء الأزمة:
1 -تميل القوى اليمينية المرتابة من الوجود الإسلامي في أوروبا إلى اختزال ردود فعل الحالة الإسلامية في أوروبا في اتجاه واحد يغلب عليه الصراخ والاستغاثة، وتشير تحليلاتهم إلى أن هذا التيار هو الأساس، بينما تقع على هوامشه أصوات تحاول عقلنته. وبصرف النظر عن اتهامنا الضمني لهذه الرؤى، إلا أن الخطاب الاستغاثي الصراخي كان موجودا، لكنه لم يكن التيار الأساسي، بل كان الأضعف.
هناك تجليات عديدة لهذا التيار وكان أبرز رموزها الدكتور عزام التميمي مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي بالمملكة المتحدة، والذي رأى في لقائه بقناة الجزيرة القطرية أن"الإٍسلام شامخ منتصر ممتد وهذا الذي يأكل قلوب من يتطاول على الرسول غيظا". وقد أشار إلى أن"الرسول صلى الله عليه وسلم هو اليوم الشخصية الأولى في العالم في كل القارات.. في كل قارات الأرض، أتباعه في أوروبا في أميركا في كل أصقاع الأرض يقولون أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله وهذا يغيظ هؤلاء لأنهم فقدوا البوصلة، وأصبحوا لا دين لهم، حتى الدين عندهم الذي لا يزال موجودا في قلوب كثير من الناس أصبح خائفا راجفا مختبئا" (..) ، وأشار إلى أن التهجم على الرسول"لا نقبل به ويجب أن تُعَاقب أوروبا ويجب أن يعاقب كل من ينشر هذه الصور". ولا داعي للخوض في دلالة المعاقبة وصاحب السلطة في العقاب، فهذا مما يضيق دونه المقام.