2 -أما الاتجاه الثاني فكان اتجاها وسطيا، يمكن القول بأن أهم من يمثله البروفيسور طارق رمضان. حيث نقلت جريدة"لو فيجارو"الفرنسية عنه رأيه بأن ردود الفعل في العالم الإسلامي على الرسوم المسيئة للنبي"مبالغ فيها"، وأنه قد دعا إلى"نقاش هادئ وعقلاني"، وندّد بالدعوات إلى"المقاطعة"والدعوات إلى القتل، ورأى أنها تخدم اليمين الأوروبي المتطرف. وقد ندد البروفيسور طارق رمضان بما أسماه"استقطابا خطرا بدأ يفرض نفسه، ويشجّع المواقف المتطرّفة من الجانبين". كما دعا المسلمين لأن"يعتادوا على اتخاذ مسافة نقدية"، ولأن"يعيشوا في عالم كوني يعتمدون فيه الحوار منهجا، كما ينبغي فيه أن تكون ضمائرهم قوية بما فيه الكفاية للتغلّب على حساسياتهم المجروحة". ولم يفت طارق رمضان طبعا أن يشير إلى أنه"في الإسلام، لا يجوز رسم الأنبياء".
3 -أما الاتجاه الثالث فيتمثل في منهج الأستاذ أنس التكريتي الذي دعا في مشروعه إلى أن تقدم المملكة المتحدة أنموذجا للدولة الأوربية الليبرالية التي تعتبر مثالا في استيعاب التعددية بكل مستوياتها العرقية والدينية والثقافية، باعتبار أن بناء نموذج مجتمع تعددي بهذه الصورة من شأنه أن يضع ضوابط على ما قد تقترفه الجماعات الإثنية والثقافية والدينية بحق غيرها من الجماعات التي تشاركها نفس المجتمع، في إطار حرية مسؤولة، وهو ما من شأنه أن يضمن الانسجام والتوافق المجتمعي الإيجابي الذي تحميه قوة القانون. لكن أنس التكريتي تجاوز بأطروحته أن تحميها نصوص القوانين لصالح تعميق الحوار الذي يجعل هذه القيم التعددية المتباينة محمية بموجب الضمير المجتمعي العام والتوافق المجتمعي العام. وقد خرج برز أنس التكريتي عبر تظاهرة قادها في لندن، تتضمن توليفة إسلامية كاثوليكية.
وبين هذه الاتجاهات الأساسية وجدت بعض الأطياف التي يمكن القول باستيعابها ضمن هذه الاتجاهات الثلاثة، لكن لم تتضح أطروحتها بصورة كافية.
ومن خلال الطرح السابق يمكننا أن نشير إلى أن الحوار كمسلك في رد فعل مسلمي أوروبا على قضية التهجم على الرسول قد اتخذ الصورتين المشار إليهما، وهما صورتان تفترقان كثيرا في فلسفتهما.
فالطرح الخاص بطارق رمضان دعا لإقامة حوار حول ضرورة احترام حقوق الأقليات من زاوية استيعاب الأزمة ومحاولة منع تكرارها لإضرارها بمشاعر الأقليات. وهذا الطرح يصب في فقه الأقليات المسلمة الذي يحرص على صون حقوق هذه الأقليات وصياغة أسس علاقتها بالمجتمع الذي تعيش فيه باعتبارها أقلية ذات دين يخالف الثقافة المسيحية الأوربية، ومن ثم ينبغي توفير ضغوط على الحكومات لأجل فرض احترامه. أما طرح أنس التكريتي فقد حرص على التعامل مع الأزمة لا باعتبارها أزمة أقلية دينية مسلمة في مجتمع مفتوح، بل باعتبارها قضية مجتمع مفتوح به درجة عالية من التعددية الدينية والإثنية والثقافية بحاجة لتطوير ثقافته العامة ليتسنى له استيعاب حقيقة أوضاعه التعددية الراهنة وتطوير آلية إدارتها.
ب - استجابات المسلمين في البيئة العربية الإسلامية:
كما تعددت استجابات المسلمين في الثقافة الغربية الأوروبية، كذلك تعددت استجابات المسلمين في البيئة العربية الإسلامية، حيث يمكن رصد 3 اتجاهات في هذا الصدد، على النحو التالي:
1 -ردود الفعل الغاضبة المحبطة: كانت ردود الفعل الغاضبة المحضة من أهم ردود الفعل في العالمين العربي والإسلامي، وإن لم تكن أكثرها رشدا بطبيعة الحال. وتمثلت ردود الأفعال تلك في مسيرات التعبير عن الغضب، والتي انتهى بعضها بحرق بعض سفارات الدول التي أعادت نشر هذه الرسوم.
وأهم ما يميز هذه الغضبة، بصرف النظر عن المؤازرة الحكومية، أن ارتبطت هذه التظاهرات برغبة حميمة في مقاطعة الدولة التي ابتدأت هذا الفعل، والصيام والقنوت والدعاء، وارتبط ذلك كله بحملة نشطاء الإنترنت لتعميم الاقتراحات بالتصرف ونشرها على نطاق واسع.
وبرغم أن الرغبة في المقاطعة كانت جادة وحميمة، إلا أن إعادة نشر دول أخرى للرسوم المسيئة لم يؤد لاتساع نطاق المقاطعة ليشمل هذه الدول الأخرى، وإن كان قد أدى لاتساع نسبي في نطاق العنف.
2 -مجموعة الغضب العاقل: لم تكن كل ردود الأفعال الغاضبة بنفس الصورة، بل كانت هناك حركة غضبة أخرى أكثر رشدا ورصانة في الطرح، إذ أيدت الغضبة الشعبية في صورتها الاقتصادية والسياسية وأية صورة غير عنيفة، وهددت قيادات هذا الاتجاه بتغذية استمرار الغضبة الشعبية وتصعيدها ما لم يصدر عن الجهات التي اقترفت الإساءة للرسول ردي فعل، أولهما الاعتذار عن الخطأ في حق الرسول والمسلمين، وثانيهما العمل على سن تشريعات تجرم الإساءة للأديان. وقد تزعم هذا الاتجاه مجموعة من العلماء الكبار كان أبرزهم الدكتور يوسف القرضاوي.