3 -ردود الفعل الحوارية: كان الحوار موضوعا حيويا وطلبا ملحا لقطاع عريض من القوى الشعبية التي كانت تضع نصب أعينها ليس فقط قضية الإساءة لمقدس إسلامي، بل أيضا مصلحة المسلمين في الغرب، حيث كانت القيادات التي أنتجت أبرز دعوات الحوار على صلات بقيادات من الأقليات المسلمة في الغرب. ومن بين تلك الدعوات دعوة مؤتمر عمان الذي دعا فيه عدد من علماء الدين العرب المسلمين إلى الحوار مع الغرب منتقدين دور الإعلام في هذا الشأن. وكان من أبرز تلك الدعوات ذلك البيان الذي وقعه 42 من كبار الدعاة وكان من بينهم الداعية الشاب عمرو خالد الذي دعا المسلمين لعدم مقابلة الإساءة بالإساءة، وهو ما قاد إلى خلاف بين هذه المجموعة ومجموعة الغضب العاقل التي تزعمها الدكتور يوسف القرضاوي والتي ضمت عددا كبيرا من علماء الأمة، والتي رأت ضرورة أن تعبر الأمة عن غضبتها ليعلم المسيئون أنهم آذوا مشاعر أمة تعدادها مليار وثلث المليار.
4 -الأنظمة العربية والتعامل مع الأزمة: استمر نهج الدول العربية في التعاطي مع الأزمة بمنطق التعبئة الجماهيرية بسبيل تحصيل قدر من الشرعية المستندة لمرجعية دينية ورضائية في آن أو سحب الغطاء الإعلامي عن قضايا داخلية متفجرة ببعض من هذه الدول، وتفاوتت تحركاتها الدبلوماسية لاحتواء الأزمة. فقد اكتفت بعض الدول بمساندة مشروع الغضبة كسورية، وغيرها على اختلاف في مواقف هذه الدول بين الانفلات والضبط. والمجموعة الثانية من الدول العربية والإسلامية فقد شايعت الغضبة لكنها دعت لإجراء حوار حول القضية كمصر، أما الفريق الثالث فاتجه إلى تدبير لقاءات حوارية، وكانت أبرز الدول الناشطة في هذا المجال دولة قطر، والتي رتبت لقاء تحالف الحضارات الذي ضم ممثلين من الأمم المتحدة (كوفي عنان) وجامعة الدول العربية (عمرو موسى) ومنظمة المؤتمر الإسلامي (أكمل أوغلو) وبعض وزراء الخارجية الأوروبيين.
جـ - استجابات الطرف الغربي:
كان لهبة المسلمين في أنحاء العالم ردود فعل قوية ومؤثرة في المجتمع الغربي، وبخاصة مع اتجاه أصوات التيارين المعتدلين للتعالي. حيث قامت بعض الدول بالاعتذار كالدانمارك وإيطاليا وفرنسا، وإحدى الدول: النرويج عدلت قانونها لتجريم الإساءة للأديان، وأتت وفود كنسية للجامع الأزهر للاعتذار والحوار، كان من بينها وفد الكنائس الدانمركية، وظهر قدر من التوافق الكاثوليكي الإسلامي حول تجريم الإساءة للأديان. وإن كان هذا لم يمنع من أن كثير من الدول لم تتقبل فكرة الاعتذار، بل إن رسالة الاتحاد الأوروبي في اجتماعه على مستوى وزراء الخارجية في فبراير 2006 تضمنت عبارة لا تعني الاعتذار، بل تعني الأسف لأن ما نشر أغضب المسلمين، مما يفتح الباب للتساؤل حول سبب الأسف: أهو نشر الإساءة أم إحساسنا بالإساءة.
المعالجة.. أطروحات عملية للعالمين الإسلامي والغربي
كانت الإشارات إلى منهج إسلام أونلاين.نت، وكذا عملية الرصد والتفسير مدخلا لتقديم طرح عملي لمواجهة الأزمة. ومما سبق يمكننا أن نخلص لحصادين قيمي ومؤسسي نوجز ملامحهما فيما يلي:
أولا: الحصاد القيمي:
بعيدا عن القيم المستقرة التي تكرست عبر الأزمة كالحوار، مكنتنا الأزمة من الانتباه لمجموعة من القيم المهمة التي علينا أن نلتفت إليها، ومنها:
أ - الغضب العاقل: حيث إن حسن إدارة الغضب مكن العالم الإسلامي من تحقيق مكاسب سياسية وثقافية، وتمكن من تحويل مجرى التفاعلات من مسار الرعونة إلى مسار الحوار والتعايش والاعتذار والاتجاه للحوار البناء.
غير أنه تجدر الإشارة إلى أنه لولا هذه الغضبة التي سارعت لاتخاذ مسار العقلانية لما كان من الممكن للعالم الإسلامي أن يحصد هذه المكاسب.
ب - إدراك التعددية داخل الآخر: كان من بين ردود الأفعال المتزنة وقوف المسلمين في كثير من الدول الأوروبية على حقيقة الاختلاف والتعددية داخل المجتمعات الأوروبية، مما مكن من صوغ تحالفات وعقد حوارات كانت بناءة ومثمرة، وستؤثر إلى حد كبير على حركة التنظيمات القائدة للأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية.
جـ - التعريف بالتعددية داخل الذات واحترامها: كان من المهم كذلك أن يتم الإعلان الواضح عن التباين الشديد والتعددية الموجودة داخل الكيانات المسلمة بالغرب، وما بينها من اختلافات حقيقية في الرؤى والمواقف، مما وضع أقدام كثير من القوى الاجتماعية الأوروبية على بداية التمييز بين الصحي والمريض داخل الخطاب الإسلامي في الغرب.
والأهم أن التعددية التي حدثت داخل الذات المسلمة على الصعيد الجغرافي العربي والإسلامي كانت مهمة أيضا، برغم أن بعض ردود الأفعال العاقلة اتخذت موقفا مناوئا من ردود الأفعال العاقلة الأخرى، وهو ما كان من المهم الإشارة إليه في إطار ضرورة احترام التعددية في المواقف، مع كامل التقدير للموقف الوسطي.