فهرس الكتاب

الصفحة 3557 من 3657

فالحرية في الإسلام لا تعني الفوضى وارتكاب الموبقات والمنكرات باسم الحرية واستباحة محارم الله والانغماس في الشهوات المحرمة فالحرية التي تبيح هذه المحظورات هي فوضى، وتصور خاطئ للحرية، وقد صحح الإسلام هذا التصور الخاطئ وقرر حرية الناس منذ ولادتهم ، وانه لا يجوز استعبادهم كما لا يجوز تقييد حرياتهم، و كل حق لهم، يقابله واجب عليهم ليكون هناك توازن في الحياة والتعايش مع الآخرين ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله يقول: ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسلفها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا ، فان تركوهم هلكوا وهلك الناس جميعهم وإن منعوهم نجو ونجى الناس جميعاً) .

وهكذا حياة الناس على سطح الأرض كركاب السفينة تحمل هذه الأرض البر والفاجر، والصالح والطالح والمحسن والمسيء كالذين يسيئون الآخرين بما فيهم أنبياء الله ورسله بحيث يرسمونهم في صور لاتليق بمقامهم الذي يستحق الاحترام والتقدير والتقديس، فان ترك هؤلاء المسيئين يمرحون ويفعلون ما يحلو لهم وما يشاءون.

دون الأخذ بأيديهم وكفها عن اقتراف الموبقات والآثام لهلك الناس جميعهم نتيجة لاختلال التوازن في مطالب الحياة ، وان اخذ بأيديهم نجو ونجى الناس جميعا وحيوا حياة طيبة، هذا هو توجيه الإسلام للحرية، أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبي الرحمة.

إن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان بحيث خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في السموات والأرض جميعا منه، وجعله خليفة عنه وزوده بالقوى والمواهب ليسود الأرض وليصل إلى أقصى ما قدر له من كمال مادي وارتقاء روحي.

ولا يمكن أن يحقق الإنسان أهدافه ويبلغ مراميه إلا إذا توفرت له جميع عناصر النمو وأخذ حقوقه كاملة ، في الحياة وفي التملك وفي صيانة العرض، وفي الحرية وفي المساواة وفي التعلم، وهذه الحقوق واجبة للإنسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن لوئه أو دينه أو جنسه أو وطنه أو مركزه الاجتماعي [1] . قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [2] ) وقال صلى الله عليه وسلم: ( يا أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ... ) [3] .

وهكذا أكرم الله الإنسان بهذه الحرية من خلال هذه الحقوق منحه حرية الاعتقاد حيث قال الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [4] ) وقال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا [5] ) .

فالاعتقاد الصحيح ناتج عن الاقتناع الكامل والتصديق الثابت ، وأنه لاقيمة لعقيدة تأتي نتيجة القهر والتسلط وطالما تزول أسباب القهر تنتهي وتزول العقيدة.

ولهذا حينما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن المسلمين أيرتد أحد منهم سخطا على دينه؟ قال: لا، فقال هرقل: هكذا الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.

فالإسلام يتيح الفرصة المتكافئة للناس كي ينظروا ويختاروا، فلا يجرهم على شيء لا يرغبونه ... ولم يحدث في تاريخ الإسلام أن أكره أحدا أو اجبر قوما على اعتناق الدين ، كما حدث في تاريخ النصرانية [6] .

فكما كفل الإسلام للإنسان حرية الملك وغيرها ومن تلك الحريات حرية التعبير.

حرية التعبير:

إن حرية التعبير من أعظم الحريات التي كفلها الإسلام للإنسان وهي من نعم الله تعالى عليه حيث جعله بهذه النعمة معبرا عن نفسه مبينا عما يدور في فكره وخلده ومنحه القدرة العقلية على تصور ما يدور حوله ثم الحكم عليه بما يصل له من خبراته وتجاربه يقول الله عزوجل تأكيداً لذلك: (الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت