فهرس الكتاب

الصفحة 3558 من 3657

فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وأكرمه وأنعمه بنعمة العقل والإدراك وعلمه البيان ليٌعْمل عقله ويفصح عن ما يدور في عقله بحرية مبنية على احترام الحق الفطري واستخدام نعمة الإدراك والبيان ، ودعوة إلى تحقيق التعاون على البر والتقوى ، والتطلع إلى تكوين المجتمع المسلم الذي يقوم على المشاركة الايجابية في تحقيق الإخاء والمساواة والأمن والعدل ومن الأدلة التي تدل على وجوب حرية التعبير قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [8] ) فان الأمر والنهي لا يكون إلا من خلال التعبير ، فإذا الأمر والنهي تعبير وإبداء رأي وبما أن الأمر والنهي واجب فنقول بوجوب حرية التعبير إذ تقرر لنا حق إبداء الرأي وتجعله واجبا من واجبات الأمة ، إذ بالأمر نالت الخيرية على الناس وعلى أساسه وعدت بالتمكين في الأرض ، والصدارة على الصعيد العالمي ، قال الله تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [9] ) .

ومن أدلة حرية التعبير أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: ( من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [10] . فقوله صلى الله عليه وسلم: ( فبلسانه) أمر بالتعبير المتضمن للأمر والنهي اللذين هما من الخصائص الأولى للأمة الإسلامية والشعار الواضح من شعائر الإسلام . وهذا كله إن دل فإنما يدل على أن حرية التعبير من حقوق الإنسان، وحقوق الإنسان هي جزء من الدين شرعها الله وبينها الرسول صلى الله عليه ويراد بها حماية إنسانية الإنسان وهذه الحماية مصدر من مصادر الشريعة وغايتها ، ومن هنا جاءت لتحقيق مصالح الناس وحماية الكليات (الضرورات الخمس) التي منها (الدين) وحفظ الدين واجب.

ومن هنا نحن نقول نعم لحرية التعبير التي تراعي حقوق الآخرين وتحترم الأديان والمقدسات .

احترام الأديان والمقدسات ..

إن حرية التعبير الحقة هي التي تحافظ على حقوق الآخرين ومعتقداتهم الدينية ومقدساتهم ، وأما التصرفات التي تصدر بدون مراعاة حقوق الآخرين فهو الفوضى التي تؤدي إلى اختلال التوازن في موازين الحياة وهذا التصرف هو الذي تضع له الشريعة الإسلامية حداً .

واحترام الأديان والمقدسات ، واحترام حقوق الآخرين لا يتأتي إلا من حرية التعبير التي تعتمد على مبادئ الأخلاق وآداب الإسلام الذي يعني عدم مصادرة آراء الآخرين وإيذائهم ، حتى وإن كانت مخالفة، لكن غير مسيئة للآخرين ومعتقداتهم ، قال احد المسلمين مرة لعمر - رضي الله عنه - اتق الله، فلام بعض الحاضرين قائلها، فقال عمر: ( لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها) وصدق عمر فإنه لا خير في مجتمع لا يتقدم بآرائه ونصائحه لحاكمه ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال لله ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم) فنصيحة أئمة المسلمين وعامة المسلمين هي: حرية التعبير بعينها ، وهكذا كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ليربيهم على حرية التعبير فيقول لهم في كثير من الأمور: ( أشيروا إلى أيها الناس ) وكان صلى الله عليه وسلم أمره شورى بينه وبين أصحابه قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [11] ) ، والله سبحانه وتعالى مدح المؤمنين بسبب الشورى التي بينهم بقوله: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [12] ) ، حرية التعبير هي حق أصيل لا يتخلى عنها المسلم ، بل هي تعتبر من أفضل الجهاد.

في سبيل الله بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وفي ظل هذه الحرية كان الخلفاء الراشدون يعرضون على المسلمين سياستهم في الحكم ليبدي كل من المسلمين رأيه في الأمور التي تمس حياة الناس ومصالحهم .

واحترام الأديان والمقدسات من الدين ويعد عند المسلمين من أساس العقيدة حيث أن المسلمين يؤمنون بجميع الرسل وذلك مما يجعلهم يحترمون جميع الأديان السماوية ومقدساتها وشعائرها واحترامها نابع من تقوى القلوب ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) . [13]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت