كل ذلك من أجل أنهم قالوا ربنا ثم استقاموا ... أين هذه المواثيق أيها المجتمع الدولي؟ كل هذه الانتهاكات تدل دلالة واضحة على أن الكافر لايؤتمن في عهد ولا ميثاق ولا قانون ، ولاحق ولا مصلحة.
وحرية التعبير التي تحترم الأديان والمقدسات هي التي تنبني على ضوابط ومن تلك الضوابط ما يلي:-
(1) أن يكون التعبير طيبا بعيدا عن الفحش والقبح يقول الله تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [18] ) ويقول جل شأنه ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [19] ) .
وقال النووي رحمه الله: ( اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه ، وذلك كثير في العادة والسلامة لابد لها شيء) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) متفق عليه ، وعن أبي موسى رضي الله عنه (قال: قلت يا رسول الله أي المسلم أفضل؟ قال من سلم المسلمون من لسانه ويده) متفق عليه.
(2) أن يكون التعبير مطابقا للحقيقة صادقا متثبتا فيه، بعيدا عن الظن والوهم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ. [20] ) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [21] ) . وقال صلى الله عليه وسلم ( كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع ) .
(3) أن يتحرى التعبير الحق والعدل فلا يحابى يقول الله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [22] ) .
أن حرية التعبير التي تنطلق من هذه الضوابط لها ثمار كثيرة منها:-
أولا: أنها تعمق الثقة بين أفراد الأمة فإن الوضوح يقتل الخلفاء ، والمصارحة تقضي على الدس والوقيعة ، والصدق يعمر القلوب بالألفة والمحبة .
ثانيا: قوة بناء الأمة وتماسكها فان احتكاك الآراء وتعاون الناس يولد القرب بينهم فيتشاورن ويتناصحون ، وهذا يزيد من تماسكهم وتضامنهم لأن الاحتكاك يوري نوراً والتحكك يواري ولاريب أن اجتماع المواهب وتعاضدها يؤدي إلى خير كثير، وهذا بخلاف الخوف والكبت فإنهما يولدان التفكك والشك والريبة.
ثالثا: إن الشعب منى أعطى الفرصة لإبداء رأيه في تقرير مصيره والمشاركة في صناعة القرار أدى ذلك إلى رقي في الأمة وتقدمها، فإننا نجني من وراء حرية التعبير الأفكار النيرة والآراء الصائبة، فلا تقدم الأمة على أمر إلا وتكون قد عرفت مصالحه وأدركت منافعه [23] .
نصرة النبي صلى الله عليه وسلم:
كيف ننصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الأعداء الذين يسيئون إليه؟ وكيف ننصره من هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم ؟.
قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) [24] .
فنصرتنا لنبينا تقتضي صرف الناس عن الهوى إلى الاستقامة . ونحن لايمكننا صرفهم عن الهوى إلى الاستقامة مالم نكونوا صادقين في نصرته صلى الله عليه وسلم وصدقتنا ونصرته يقتضي أن نكون صادقين في إتباعه حتى يكون هوانا تبعا لما جاء به، فإن الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته آية عظيمة من آيات المحبة والإجلال قال الله تعالى: (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [25] ) .
فالصحابة رضوان الله عليهم لما صدقوا في إتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هواهم تبعا لما جاء به صلى الله عليه وسلم سطروا أروع الأمثلة واصدق الإعمال في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه وفدائه بالأموال والأولاد والأنفس، في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وكتب السير عامرة بقصصهم وأخبارهم ومن ذلك أن أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه كان يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة احد، ويرمي بين يديه ويقول: (بابي أنت وأمي ، لاتشرف، يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك [26] ) .
وعن قيس بن أبي حازم قال: ( رأيت يد طلحة شلاء ، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد [27] ) .