فهرس الكتاب

الصفحة 3562 من 3657

فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا ؟ فَنَزَلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} . رواه البخاري ومسلم.

أبو لهب هو عبد العُزّى.. تَبّ وخسِر، فما عَزّ !

فـ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} "الأول دعاء عليه، والثاني خبر عنه"كما قال ابن كثير.

فقوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} أي خَسِر وخاب، وضل عمله وسعيه. {وَتَبَّ} أي وقد تَبّ: تحقق خسارته وهلاكه. قاله ابن كثير.

"وكان كثير الأذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والبُغْضَة له، والازدراء به، والتنقّص له ولدينه"..

فما زاد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عِزّة ورِفعة..

وما زاد (عبد العزى) إلا ذلاًّ ومهانة.. فلا يُذكر إلا ويُذكر ذمّه !

زاد جهل أبي جهل.. وتباب أبي لهب..

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتضوّع طِيباً.. كَعُودٍ زاده الإحراق طِيباً

أبو لهب.. ظنّ أنّ ماله ينفعه، أو يُغني عنه شيئا.. فقال الله: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}

ولم يقتصر الشقاء على أبي لهب بل تعدّاه إلى زوجِه..

قال ابن كثير: وكانت زوجته من سادات نساء قريش وهي أم جميل، واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان، وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم، ولهذا قال تعالى: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} يعني تحمل الحطب فتُلْقِي على زوجها ليزداد على ما هو فيه، وهي مهيأة لذلك مُسْتَعِدّة له. اهـ.

قالت أسماء بنت أبي بكر: لما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} اقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها وَلْوَلَة، وفي يدها فِهْر وهي تقول: (مُذَمَّماً أبَيْنَا، ودِينه قَلينا، وأمْره عصينا)

ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها لن تراني، وقرأ قرآنا اعْتَصَمَ به، كما قال تعالى {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} ، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا أبا بكر إني أُخْبِرتُ أن صاحبك هجاني ! قال: لا، ورب هذا البيت ما هجاكِ! فَوَلَّتْ وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها ! رواه أبو يعلى، وابن أبي حاتم في تفسيره، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقد صَرَف الله عن نبيِّه صلى الله عليه وسلم سبّ حمالة الحطب !

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ألا تعجبون كيف يَصرف الله عَنِّي شتم قريش ولعنهم ؟ يشتمون مُذَمَّما، ويلعنون مُذَمَّما، وأنا محمد ) ). رواه البخاري.

حمّالة الحطب أنفقت مالها للصَّد عن دين الله، فكان عليها حسرة وندامة !

وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها فاخرة، فقالت: لأُنْفِقَنّها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم.

قال ابن كثير: فأعقبها الله منها حَبْلاً في جيدها من مَسَدِ النار.

صَبَر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك.. فكانت النُّصْرَة له، والرِّفعة له، والعِزّة له..

وكانت الذلّ والصَّغار على من خالَف أمره..

عداوة أبي لهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظَهَر فيها آية من آيات النبوة، وعلامة من علامات صِدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم..

قال ابن كثير: قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نَزَلَ قوله تعالى: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} فأخْبَرَ عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يُقيّض لهما أن يُؤمنا، ولا واحد منهما، لا باطنا ولا ظاهرا، لا مُسِرَّا ولا مُعْلِناً ؛ فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة. اهـ.

عداوة أبي لهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. وحملته المسعورة ضدّ دِين الإسلام.. لم تَثنِ عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم..

بل كانت عداوته سبباً لِنشر دِين الله!

كانت عداوة أبي لهب سبباً للسؤال عن حَالِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وعن دعوته.. وعن لفتْ الأنظار إليه!

قال طارق بن عبد الله المحاربي: إني بِسُوقِ ذي المجاز إذْ أنا بإنسان يقول: يأيها الناس قولوا: لا إله إلا الله ؛ تفلحوا. وإذا رجل خلفه يرميه قد أدْمَى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: يأيها الناس إنه كذاب فلا تُصَدِّقوه. فقلت: من هذا ؟ فقالوا: محمد زَعَم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب يَزعم أنه كذاب!

ظنَ أبو لهب.. فَخَابَ ظنّه !

ظنّ أنه يحجب الشمس بالْمُنْخُل (الغربال) .. فَخَابَ ظنّه!

ظنّ أن ماله يُغني عنه.. فَخَابَ ظنّه!

ظنّ أنه يَصدّ عن دِين الله.. فَخَابَ ظنّه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت