ثم جعل أعظمهم حَقًّا، وأتمَّهم قَدْرًا، سيد الثقلين، وخيرة الأولين والآخرين، خليله وكليمه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله أتم صلاة وأتم سلام.
وأخبر عباده المؤمنين بأن نبيه محمدا له عنده المقام المحمود المُعظَّم، وأنه خليله المُكرَّم، وصفيه الُمكلَّم، أُعرج به إليه، وسمع من ربه كلامه وما أُوحيَ عليه، وأنه شفيع العباد يوم المعاد، وأنه شفيعهم يومئذ عند امتناع الأنبياء والرسل عن الشفاعات، واعتذارهم ببعض الأمور والزَّلَّات، فيقوم بين يدي ربه داعيا متضرعا ذليلا، فَيُكْرِمُ رَبُّهُ مقامَهُ عنده، ويقول له أمام أنبيائه وسائر خلقه « ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ » .
وأخبر سبحانه عبادَهُ مُمْتَنًّا عليهم ببعثتِه إيَّاه لهم: أنه على خلق عظيم، وأنه رؤوف بهم ورحيم، يُعْنِتُهُ ما يُعْنِتُهُمْ، ويَسُرُّهُ ما يَسُرُّهُمْ، فما دعى لهم إلا بالهداية والرشاد، وإنْ تمادوا عليه بالتكذيب والعناد.
وأخبر أنه صلى الله عليه وسلم أولى من المؤمنين بأنفسهم، فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يُوقى بالأنفس والأموال، وأَنْ يُقَدَّمَ على كُلِّ حال، كما قال سبحانه: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الَمدِيْنَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوْا عَنْ رَسُوْلِ اللهِ وَلَا يَرْغَبُوْا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) .
فَعُلِمَ أَنَّ رغبة الإنسان بنفسه أَنْ يصيبَهُ ما يصيب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المشقة معه حرام.
ومِنْ حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم: أن يكون أحبَّ إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق، كما دَلَّ على ذلك قوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُوْنَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ» أخرجاه في «الصحيحين» .
فصلى الله عليه صلاة دائمة ما دامت السموات والأرض، وسَلَّمَ عليه سلامًا ما تعبَّد اللهَ المؤمنون بنفل أو فَرْض.
فَصْلٌ
ثم إني قد اطلعتُ قبل أيام على ما نشرته صحيفة « يولاند بوستن » (Jyllands-Post صلى الله عليه وسلم n) الدنماركية، يوم الجمعة (26/8/1426هـ -30/9/2005م) من طعن في النبي صلى الله عليه وسلم، واستهزاء به وإلحاد، بنشرهم اثني عشر رسما كاريكوتيرا ساخرا بالنبي صلى الله عليه وسلم، واستمرت في نشره أسبوعا بعد ذلك ! ثم أعادت عدة صحف أوروبية نشر هذه الرسوم هذا الشهر والذي قبله مرَّة أخرى.
وفي هذا محادَّةٌ لله ورسولِه صلى الله عليه وسلم، ومحاربةٌ وإيذاءٌ، وقد قال جَلَّ وعلا في المؤذين له ولرسله: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً) .
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ. كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) .
وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) .
وقد أوجب الله جَلَّ وعلا على المسلمين كافَّة حقوقا وواجبات في شأن الُمعادين له ولرسله صلى الله عليهم وسلم، من إيذانهم بالحرب والعداوة والبغضاء.
وجعل حكم سَابِّ رسوله صلى الله عليه وسلم القتل، سواء كان مسلما أو كافرا، تاب من سَبِّهِ أم استمر في غَيِّهِ، بل حتى لو كان السّاب كافرا فأسلم لم يعصم ذلك دمَهُ، وإنْ قُبِلَ منه إسلامُه، لذلك يُقتل دون استتابة.
وقد قَرَّرَ هذا كُلَّهُ شيخُ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه أتمَّ تقرير في كتابه العظيم الكبير «الصارم المسلول، على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم » ، واستدلَّ عليه بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع، وساق فيها ما لا يستطاع دفعه.
قال شيخ الإسلام في أوله (ص3) : (المسألة الأولى: أن مَنْ سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر: فإنه يجب قتله. هذا مذهب عليه عامة أهل العلم، قال ابن المنذر: «أجمع عوام أهل العلم على أن حَدَّ مَنْ سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم القتل» ) .