ومعلوم أنَّ النفوس مجبولة على حبِّ الكمال، وقد كمّل الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأنواع الكمال التي لم تجتمع في غيره عليه الصلاة والسلام، فكيف إذا اجتمع مع ذلك ما حباه الله به من حبُّه لهداية الخلق وصلاحهم، ونجاتهم وفلاحهم، وما كان يعانيه من ألم إذا رآهم ضلوا.
لذلك كان حبُّه صلى الله عليه وسلم في قلب كل مؤمن، بل في قلب كل منصف من غير المؤمنين ممن عرفوه على حقيقته، لا يملكون إلا تقديره واحترامه، وحبَّه لما أسداه للناس عامة من خير عظيم.
وقد كان فضله عليه الصلاة والسلام وإحسانه على أهل الملل الأخرى عظيماً، فقد بيَّن لهم الحق بأدلته التي عرفوها ووجدوها في كتبهم، وكان من دينه: أنَّه لا يصح الإيمان إلا بالإيمان بجميع أنبياء الله ورسله، ووجه جلّ دعوته إلى أهل الكتاب، وجادلهم بالحسنى.
وكان حظ النصارى من فضله صلى الله عليه وسلم أعظم من غيرهم، فقد أنصفهم بعد ما ظلمهم اليهود والوثنيون، حيث بُعث صلى الله عليه وسلم وأهل الملل يتهمون مريم بالزنا، ويتهمون عيسى عليه السلام بأنه ابن زنا، ووجد النصارى يتشبهون باليهود والوثنيين فيدعون أن عيسى عليه السلام ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أو هو الله، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم فوضع الأمور في نصابها، وبين أن مريم بنت عمران عذراء عفيفة، وأن الذي جاءها أمر من الله تعالى، وأن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، قال الله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [سورة آل عمران، الآية 59] .
فاعترف المنصفون منهم بأن ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، وهو بشارة عيسى عليه السلام لأمته، وأن ما جاء به هو الحق الذي لا يزيد عما جاء به عيسى بقشة، ولا ينقص بقشة.
وهذا حال المنصف، صاحب النفس الطيبة؛ يحب الحق، ويبحث عن الحق، وإذا وجد الحق أخذ به، أما منكر الجميل فهو دنيء النفس خبيثها، ونكرانه للجميل دليل سوء طويته وسوئها.
ولقد عبّر أكثر نصارى اليوم عن نكرانهم الجميل، وعن رفضهم الحق الذي جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسوأ تعبير، حيث رفضوه، وكذبوه، وسعوا جاهدين في تشويهه، وصرف الناس عنه، وإغواء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإغراقهم في الشهوات والملذات والموبقات، وتشكيكهم في دينهم، ولم يكفهم هذا حتى صرحوا بشتم الإسلام، ونبي الإسلام، وأمعنوا في الاستهزاء به.
وما زلنا منذ سنوات، ونحن نسمع ونرى كماً هائلاً من ذلك، حتى ألمت بنا فتنة عجيبة، ومحنة كئيبة، تولى كبرها زمرة سفيهة، وجدت من يدعمها باسم الحرية، ويشجعها باسم الديموقراطية، ويحميها باسم حق التعبير وإبداء الرأي.
فقامت صحيفة (( بولاند بوستن ) )الدنماركية بنشر رسوم ساخرة، في أواخر شهر شعبان من عام ض426هـ. زعم صانعوها أنهم يمثلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم في يوم عيد الأضحى من عام نفسه تبعتها (( ماجزين ) )النرويجية فنشرت الرسومات نفسها، فجرحت المسلمين في عقيدتهم التي لا يختلفون فيها، ودينهم الذي لا يرضون عنه بديلاً.
وقد كان يمكن أن تمر هذه الجريمة النكراء دون كبير ضجة، وأن تعامل على أنه تصرف فردي يستحق فاعله العقوبة، لولا أنَّ هذه الجريمة سبقت بمذكرات ملكة الدنمارك (( مارجريت الثانية ) )رئيسة الكنيسة الإيفانجليكانية اللوثرية، التي يتبعها أكثر من 85% من الشعب الدنمركي، حيث أظهرت في مذكراتها كرهها للإسلام، ولسيد الأولين والآخرين، واتهمته بما ليس فيه، ثم دافعت عن الرسومات الساخرة، وصرحت بأنها تعبير عن رأي، ودليل حرية، وزاد الطين بلة، أن رئيس الوزراء رفض مقابلة السفراء المسلمين الذي طلبوا مقابلته؛ ليظهروا احتجاجهم، والآثار السيئة لتلك الصور، وتغطرس وتكبر، ضارباً بعرض الحائض الدساتير الدبلوماسية، ورفض وزير الثقافة التراجع عن هذا السوء، والمحكمة رفضت الدعوى، فأظهروا تعصباً وموافقة للصحيفة على فعلها، متذرعين بحرية الرأي.
فكانت ردود الفعل أكبر مما تصوروا، والغضبة الإسلامية أشد مما توقعوا، وما زال الغضب الذي شمل سحب بعض السفراء، ومقاطعة المنتجات، يتنامى يوماً فيوماً.
ولا شك أن هذه محنة، إذا أحسنا استغلالها، فسيعين الله تعالى وتكون منحة، وهذا ظاهر من أمور كثيرة، تحتاج إلى وقفات كثيرة، وحسبنا في هذه المقدمة أن نذكر بعضها؛
*فمنها:
ظهور الحقد الصليبي في صورة بشعة من قبل من يدّعون التسامح والحرية والديموقراطية، قال الله تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) [سورة البقرة، الآية 217] .
وقال تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [سورة البقرة، الآية 120] .
وقال تعالى: (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء) [سورة النساء، الآية 89] .