إن الصورة مهما كانت سلبية يمكن تصحيحها، وتحويلها إلى صورة إيجابية، ولقد نجح اليهود في ذلك، والتجربة يمكن أن تتكرر باستغلال كل ما في العصر من منجزات تقنية في مجال الإعلام والمعلومات.
الخاتمة أوضحت هذه الدراسة تطور ظاهرة التحيز في وسائل الإعلام الغربية، وأن المسلمين ضحية لهذه الظاهرة، حيث أدت إلى تشكيل صورة نمطية سلبية للمسلمين، كما أن هذه الوسائل قد شكّلت صورة إيجابية للذات الغربية بشكل يكرّس الشعور بالتفوق والاستعلاء العرقي.
أما التطور الذي شهدته التسعينيات فهو زيادة التركيز على تقديم الإسلام والمسلمين كعدو، وأنه يمثّل خطراً يهدد الحضارة الغربية، وأن خطاب وسائل الإعلام الغربية في التسعينيات قد شهد الجمع بين الخطاب الديني، الذي استخدم خلال الحروب الصليبية، والخطاب العلماني الذي استخدم خلال الموجة الاستعمارية الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
كما قدّمت هذه الدراسة محاولة لتفسير ظاهرة التحيز بشكل عام، ثم التحيز ضد المسلمين بشكل خاص.
ولاشك أن هذه الصورة النمطية السلبية التي يقدمها النظام الإعلامي الدولي، الذي تسيطر عليه الدول الغربية تمثل إحدى أخطر التحديات التي تواجه العالم الإسلامي في العصر الحديث، وأن هذا التحدي يفرض على الدول الإسلامية ضرورة العمل لرسم استراتيجية لمواجهة هذه الصورة وتصحيحها.
لكن قبل العمل على تصحيح الصورة في العالم الغربي، فإنه لابد من مواجهة تأثير الصورة على الإنسان المسلم ذاته، فهذه الآثار قد تكون أخطر بكثير من تأثير الصورة على المستوى العالمي، وهذه المواجهة لابد أن تقوم على رسم صورة للذات تعيد للإنسان المسلم الثقة في ذاته، والاعتزاز بحضارته وثقافته، وزيادة ولائه للأمة وانتمائه لها.
وعلى المستوى العالمي، فإنه على الرغم من الاعتراف بصعوبة تصحيح الصورة، إلا أنه مع ذلك فإن عملية التصحيح ليست مستحيلة، بل إن هناك إمكانية كبيرة لتحقيق ذلك على المدى الطويل، لكن ذلك يعتمد على استراتيجية طويلة المدى، يمكن أن نحدد أهم ملامحها فيما يلي:
1-العمل على إقامة المشروع الحضاري الإسلامي، الذي تستعيد في ظله الأمة الإسلامية وحدتها وقوتها ونهضتها، وهذا المشروع لابد أن يهدف إلى تحقيق التقدم على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، وتقديم هذا المشروع إلى العالم كأداة لتحرير كل المستضعفين من السيطرة والاستغلال الغربي، في ظل هذا المشروع يمكن أن تكون الأمة الإسلامية في المستقبل مساهماً في صنع الحضارة الإنسانية، وفاعلاً أصيلاً في السياسات العالمية، وهذا المشروع بالتأكيد هو أهم التحديات التي يجب أن يشارك في مواجهتها كل مفكري الأمة ومثقفيها.
2-في إطار هذا المشروع لابد من العمل على إقامة صناعة إسلامية للإعلام والمعلومات، ومن المؤكّد أن هناك إمكانيات كبيرة لإقامة هذه الصناعة حتى مع الوعي بسيطرة الغرب على النظام الإعلامي الدولي، وهذه الصناعة الإسلامية القوية هي التي يمكن أن تكسر السيطرة الغربية على تدفق الأنباء في العالم، وهذه الصناعة الإسلامية للإعلام والمعلومات لابد أن تقوم أولاً على إعداد الكوادر الإعلامية المؤهلة علمياً وثقافياً ومهنياً على إنتاج مضمون بديل لما يقدمه الإعلام الغربي، فالمضمون هو أهم أركان هذه الصناعة، ثم تأتي البنى الإعلامية، ومن المؤكّد أن هناك إمكانية لتقوية البنى الإعلامية الموجودة في الدول الإسلامية، وزيادة فاعليتها لتصبح مصدراً مهماً للثقافة والإعلام والمعلومات، ثم تأتي إمكانية إنشاء بنى جديدة تزيد من فعالية الصناعة الإعلامية الإسلامية.. وفي إطار ذلك فإنه يمكن البدء بالمشروعات التالية:
أ- العمل على إنشاء وكالة أنباء إسلامية قوية تكون بعيدة عن سيطرة الحكومات حتى يمكن أن يتحقق لها قدر أكبر من المصداقية والثقة فيما تبثه من أنباء.
ب- العمل على زيادة التعاون بين وكالات الأنباء في الدول الإسلامية، عن طريق تبادل الأنباء والمعلومات، وتسهيل الحصول عليها.
جـ- زيادة التعاون بين الدول الإسلامية في مجال تبادل المنتجات الثقافية والإعلامية، والتقليل من الاعتماد على المنتجات الإعلامية الغربية.
3-إنشاء رابطة لعلماء الإعلام المسلمين، تعمل على تفعيل دور الباحثين الإعلاميين الإسلاميين في دراسة واقع الإعلام في الدول الإسلامية، وذلك بالمقارنة بواقع الإعلام في الدول الغربية، وذلك لإنتاج نظريات جديدة مستقلة تقوم عليها الصناعة الإسلامية للإعلام والمعلومات، وتحرر هذه الصناعة من التبعية الفكرية للغرب، بالإضافة إلى العمل على تطوير الدراسات الإعلامية في الدول الإسلامية وإنشاء كلية للإعلام الإسلامي.