فهرس الكتاب

الصفحة 3620 من 3657

هناك الكثير من العوامل الثقافية التي لعبت دوراً مهماً في تشكيل ظاهرة التحيز الغربي بشكل عام ضد الشعوب الأخرى، كما أسهمت في تشكيل ظاهرة الاستعلاء العرقي والثقافي الغربي، كما قدمت الثقافة الغربية مبررات لعمليات الاستعمار، التي تمارسها الدول الغربية ضد الشعوب الفقيرة، ولاشك أن مجمل الثقافة الغربية لا تأتي في صالح الشعوب الضعيفة أو القوى الضعيفة في المجتمعات الغربية مثل العمال والسود.. وغيرهم.

ثانياً - العوامل التي تشكّل ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين بشكل خاص

إن العوامل السابقة تشكّل ظاهرة التحيز بشكل عام في وسائل الإعلام الغربية، ولكن مع ذلك فإن هناك عوامل أخرى تشكّل ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين بشكل خاص هي:

1-الخبرة التاريخية:

إن حالة الاشتباك بين الغرب والإسلام لم تتوقف منذ الحروب الصليبية حتى الآن، وقد شهدت هذه الحالة لحظات انتصار وهزائم مريرة لكلا الجانبين، وقد أنتجت هذه الحالة مخزوناً تاريخياً يصعب تجاوزه، ولابد من التسليم بأنه سيظل ينتج تناقضات حادة، وحالة عداء مستمر بين الغرب والمسلمين، فلاشك أن هناك الكثير من الدماء قد سالت.. ثم إن الغرب يدرك بشكل - ربما أكثر من المسلمين أنفسهم - مصادر القوة في الإسلام، وأن الإسلام قد صنع وحدة الأمة الأولى ونهضتها، وأقام حضارة شامخة، وأنه قادر على أن يصنع وحدة الأمة مرة أخرى، وأن يقود خطاها إلى صنع مرحلة تاريخية جديدة من الحضارة والتقدم.

إننا نظلم الإسلام إذا لم نعترف بأن هناك تناقضات كبيرة بينه وبين مجمل الثقافة والحضارة الغربية، وأن هذه التناقضات لا يمكن التوفيق بينها أو التوصل إلى حلول وسط بشأنها، فالإسلام يقدّم بناءً شاملاً للحياة والثقافة والحضارة، وهو يمثل المشروع البديل الوحيد للحضارة الغربية.. والقضية ليست قضية منجزات مادية أو تقنية، أو تقدم مادي، فهذا كله مع أهميته إلا أنه يمكن تحقيقه وفي فترات قصيرة نسبياً، لكن القضية هي قضية عقيدة وثقافة بالأساس، وهي قضايا أكثر أهمية من كل أشكال التقدم المادي.

يضاف إلى ذلك أن الإسلام يمكن أن يكون - وسوف يكون - هو القائد الحقيقي لحركة كفاح الشعوب المستضعفة ضد أشكال الهيمنة والسيطرة والتفوق الغربي، واستغلال الشعوب الضعيفة.

ثم إن المسلمين يمتلكون الكثير من مصادر القوة أهمها: البشر الذين تجاوز عددهم المليار نسمة، ويتزايد عددهم بشكل مستمر، وهم يشكّلون قوة ضخمة إذا تم تعبئتها وتوحيدها، وأن حدوث ذلك أمر ممكن مهما تصوّر المنهزمون استحالته، يضاف إلى ذلك مصادر البترول والكثير من الثروات الطبيعية، والمساحات الشاسعة من الأراضي.

وقبل ذلك وبعده عقيدة يمكن أن تشكّل الأساس لعملية التوحيد، وكتاب سماوي هو كما نزل من السماء لم يستطع أحد - ولن يستطيع - أن ينقص منه حرفاً أو يزيد عليه حرفاً، وهو يشكّل الثوابت التي تقوم عليها الثقافة والحضارة والموقف من الحياة والكون.

إذن لابد أن نسلم بأن الغرب لابد أن يخاف، وأن ينعكس ذلك في وسائل الإعلام الغربية، فتعمل على زيادة مشاعر الخوف، وعلى أية حال فذلك اتجاه إيجابي، فالخوف بالتأكيد أفضل كثيراً من الاحتقار.

2-الخبرة المعاصرة:

إن وسائل الإعلام الغربية تعتمد في كثيرٍ من الأحيان على أحداث حقيقية لا يمكن إنكارها، وهذه الوسائل تبالغ بالتأكيد في تضخيم هذه الأحداث، ولكننا لابد أن نتحلى بالشجاعة في نقد أنفسنا، ليس بهدف جلد الذات وتعذيب النفس، ولن بهدف التقويم والإصلاح.

علينا أن نعترف أن جزءاً كبيراً من المسؤولية في تشويه صورة المسلمين يقع عليهم هم أنفسهم، فالأمة بشكل عام تعيش حالة هزيمة مروّعة، وتخلف شديد، ولم تستطع حتى الآن أن تستثمر ما بيدها من عناصر القوة.. وأخطر من ذلك، فإن الكثير من النخب تعيش حالة انبهار مرضى بالغرب، كما تحدث الكثير من الانتهاكات لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

ومن المؤكّد أن الغرب لا يعجب إلا بالنجاح والقوة، والقوة مهما بدت مخيفة بالنسبة له إلا أنه لا يستطيع احتقارها، ومن هنا فإنه من المؤكّد أن الطريق الصحيح لمقاومة تحيز الغرب ووسائل إعلامه ضد الأمة الإسلامية، وتصحيح الصورة النمطية المشوّهة هو إقامة مشروع حضاري جديد تستعيد في ظله الأمة عافيتها وقوتها ووحدتها وقدرتها على تحقيق النهضة والتقدم، وفي إطار هذا المشروع يتم إقامة صناعة إسلامية قوية للإعلام والمعلومات تواجه الصورة المشوّهة داخل الأمة قبل أن تواجهها في الخارج.

لم يكن الهدف إذا مما عرضت في هذه الدراسة هو زيادة ما نعانيه من أحزان أو الاستسلام للهزيمة، ولكن الهدف هو رصد الواقع، تمهيداً للتفكير في المستقبل والتخطيط الاستراتيجي لتصحيح الصورة السلبية ومواجهتها، وتحقيق الانتصار الإعلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت