فهرس الكتاب

الصفحة 3644 من 3657

أما لماذا قلت إن حكومة الدنمارك تتحمل جانباً من المسؤولية عن العنف الذي حدث ضد بعض سفاراتها، فردي على ذلك إن انفعال الجماهير وغضبها، ومن ثم هجومها على السفارات، ذلك كله لم يحدث إلا بعد أكثر من أربعة أشهر على نشر الرسوم البذيئة، وخلال تلك الأشهر لم تحاول الحكومة الدنماركية احتواء الموضوع، والحيلولة دون ارتفاع وتيرة الغضب وانفلات الأعصاب، ولكن تلك الجهود كلها ذهبت سدى، أكثر من ذلك فإن رئيس وزراء الدنمارك رفض مجرد مقابلة وفد الدبلوماسيين العرب والمسلمين في كوبنهاجن، وهو موقف افتقد إلى اللياقة والحس السليم، لأن الرجل لم يقبل بمجرد الاستماع إلى وجهة نظر أولئك الدبلوماسيين، وكان ذلك الرفض معبراً عن الاستهانة والازدراء، فضلا عن أنه كان مشجعاً لمسؤولي صحيفة «يولاندر بوسطن» على أن يتعنتوا في موقفهم، ويتعاملوا مع المشاعر الإسلامية بذات القدر من الاستهانة والازدراء.

إزاء الفشل الذي منيت به جهود الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور أكمل الدين احسان أوغلو، في تغيير موقف الحكومة الدنماركية، ورغم أن السعودية استدعت سفيرها في كوبنهاجن للتشاور، في إشارة لا تخفى دلالتها، وليبيا أغلقت سفارتها، وكذلك سوريا، رغم هذه الجهود كلها، ظل الموقف الدنماركي جامداً ورافضاً أي تجاوب يحل المشكلة سياسياً ودبلوماسياً، ومن ثم يمتص غضب الشارع الإسلامي ويداوي جرحه، وخلال الأشهر الأربعة التي خلت كان الغضب يتراكم، وازدادت وتيرته بعد إعادة نشر الرسوم المهينة في أكثر من عاصمة أوروبية، في إصرار مستغرب على إيذاء مشاعر المسلمين واستفزازهم.

في هذه الأثناء أطلقت الدعوة إلى مقاطعة البضائع الدنماركية، وهي الدعوة التي حققت نجاحاً نسبياً في العالم العربي على الأقل، الأمر الذي أزعج السلطات في كوبنهاجن، التي تعرضت لضغوط قوية من المؤسسات الاقتصادية صاحبة المصالح الكبرى في المنطقة، فنشرت الصحيفة التي أثارت الفتنة اعتذاراً خجولاً باللغة العربية على إحدى صفحاتها، في حين تمسكت بموقفها الذي زعمت أنه يمارس «حرية التعبير» ، فيما نشرته باللغة الدنماركية في نفس العدد، وفي الوقت ذاته صدرت عن المسؤولين في الحكومة الدنماركية تصريحات تحدثت بشكل عام عن أهمية احترام أديان الآخرين، ولم تتضمن أي حديث صريح عن الاعتذار للمسلمين عما أقدمت عليه الصحيفة، التي وفرت لها الحكومة الغطاء الأدبي والسياسي.

هذه الجهود التي تواصلت خلال الأشهر الأربعة الماضية، لم تسفر عن شيء يرعى مشاعر المسلمين ويحفظ بعضاً من كرامة نبيهم، ولم يكن مستغرباً بعد ذلك أن تنفجر مشاعر البعض، بحيث يندفعون إلى بعض السفارات الدنماركية محطمين واجهاتها ومشعلين فيها الحرائق.

بطبيعة الحال، لست هنا في موقف الدفاع عن سلوك الجماهير الغاضبة، الذي أكرر أنني لا أقره من حيث المبدأ، ولكنني فقط أنبه إلى ملابسات ما جرى، متمنياً أن نستخلص من ذلك الذي جرى درساً خلاصته أنه في أحيان كثيرة، فإن العنف لا يظهر على السطح إلا حين تنسد أبواب الحلول وأساليب التغيير السلمية، وهي الفكرة التي عبر عنها بعض أهل الفقه حين قالوا بأن أفضل وأنجع وسيلة لتحريم الحرام وقطع دابره، هو أن يفتح الباب واسعاً لممارسة الحلال، بالتالي فلو أن حكومة الدنمارك تجاوبت بصورة واضحة ومقنعة مع مشاعر ملايين المسلمين الغاضبين، بحيث قدمت اعتذاراً صريحاً لهم عما جرى، لاختلف الأمر كثيراً، ولما حدث ذلك العنف الذي تعرضت له سفاراتها، وهو ما يؤيد ادعائي بأنها تتحمل جانباً من المسؤولية عن تردي الموقف على النحو الذي شهدناه.

لا أحد يستطيع أن يتكهن بمصير هذه المواجهة، التي تتسع دائرتها في أوروبا، ربما تعبيراً عن التضأمن مع الصحيفة الدنماركية، وربما كان ذلك أيضاً إحياء لمشاعر بغض كأمنة، رسختها ثقافة ما بعد الحروب الصليبية، التي ما زالت بصماتها قائمة في مناهج التعليم والمرجعيات الثقافية المختلفة، لكن الذي لا شك فيه أن من شأن ما جرى تعميق هوة الجفاء والحساسية بين المسلمين والأوروبين، الأمر الذي لا يخدم بأي حال دعوات الحوار والتعايش، ناهيك عن احترام الآخر، وهو ما دفع البعض إلى القول بأن ثمة أصابع صهيونية وأميركية ماكرة في المشهد أرادت أن تشعل نار الفتنة والوقيعة بين المسلمين والأوروبيين، لتخفيف حدة العداء للأميركيين، ولإشغال المسلمين بـ»معركتهم« مع أوروبا، وصرف انتباههم عن الممارسات الأميركية في العراق.

بقيت بعد ذلك عدة ملاحظات على المشهد ألخصها فيما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت