لقد كنا نتوقع أن تتحرك كل الهيئات الإسلامية في العالم الإسلامي، الذي يزيد على ستين دولة، احتجاجاً على تلك الإساءة إلى نبي الإسلام، وأن تستدعي وزارات الخارجية في كل الدول سفراء الدانمارك ليتسلموا احتجاجات على ما بدر من إساءة إلى النبي الكريم.. وكنا ننتظر إدانة الفاتيكان لهذا السلوك الغوغائي الوقح! ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وكأننا نواجه بعض ما يحدث خارج عالمنا ـ في المريخ مثلاً! إلى أن تحرك المسؤولون في جامعة الدول العربية، بقيادة الدبلوماسي الممتاز السيد عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية، واتخذ تلك الخطوة التي تعتبر سابقة رائعة في تاريخ الجامعة العربية، وهي أعلى الهيئات في العالم العربي.
عندئذ شعرت حكومة الدانمارك أن الأمر جد، لا يصلح فيه الصمت أو التجاهل، وأنه لا بد من التدخل لتصحيح جو العلاقات الدبلوماسية بينها وبين العالمين العربي والإسلامي، وخرج المتحدث باسم الحكومة الدانماركية ليقول: إن الذي حدث هو خطأ إعلامي غير محترم، وهو من تصرف بعض الأفراد غير المسؤولين، وإن حكومة الدانمارك تحترم الدين الإسلامي، ولا تسيء إلى نبي الإسلام، وبذلك هدأت الزوبعة، وتلاشت الأزمة بمقتضى ذلك التصرف الحكيم من الجامعة العربية، التي نابت في موقفها الشامخ عن الدول الستين الإسلامية، ومثلت بذلك ضمير الأمة، ودافعت عن عقيدتها.
إن ما حدث في الدانمارك ليس حدثاً فريداً، ولكنا نتوقف أمامه لنرصد وقائعه التي حسمت الأمر، وقطعت الطريق على عصابات المتآمرين ضد الإسلام.
ولا شك أن في عالمنا كثيراً من جماعات التآمر، لا يكف أفرادها عن العمل ضد الإسلام، من خلال الفضائيات، وهم يعلنون عن أنفسهم ليل نهار، ومع ذلك لم نجد من يتصدى لهذا النشاط المعادي للإسلام، من بعض رجال الدين النصارى، وهم ينشرون في المجتمع كثيراً من أسباب القلق، كما يؤسسون لانتشار كثير من الفتن، ويخربون بناء الوحدة الوطنية والإنسانية من دون أن يجدوا من يتصدى لهم، دفاعاً عن الحق، وعن الحياة الاجتماعية المشتركة.
وقد سمعت أن أحد المسؤولين أجاب، عندما سئل عن القائمين بهذا العمل القبيح، بأن هؤلاء مبعدون عن الكنيسة الأرثوذكسية. وهل يكفي أن يعلن أنهم مبعدون، لتظل أصواتهم تنعق، من دون توقف، وبدون وازع من دين أو ضمير؟
إن القضية تحتاج إلى تحرك الجامعة العربية لهذه المواجهة، ما دمنا قد عدمنا هيئاتنا الدينية، ومؤسساتنا التي يجب أن تتحرك دفاعاً عن مستقبل هذه الأمة ضد العملاء، وأحلاس الصهيونية، الذين يعملون بكل إخلاص لتخريب حياتنا الاجتماعية المشتركة، التي قام بناؤها على المحبة والأخوة والسلام
من دروس الحملة الأوروبية على نبي الإسلام
لا أستطيع أن أخفي عدم ارتياحي للعنف الذي استخدم ضد بعض السفارات الدنماركية والنرويجية في الخارج، لكن غضبي لكرامة نبي الإسلام الذي أهين في البلدين أكبر، فضلا عن أنني أزعم أن موقف حكومة الدنمارك بوجه أخص يتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية عن الذي جرى لسفاراتها، ولأنني أحسب أنني لست بحاجة لأن أشرح لماذا كان الغضب كبيراً لكرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي وعند غيري، فإنني سأتوقف قليلاً أمام النقطتين الأخريين.
ذاك أنني على ثقة من أن مهاجمة السفارات الدنماركية والنرويجية لم تخدم قضيتنا، وربما أساءت إليها، ولن أستغرب إذا تجاهل الإعلام الغربي خلفيات الموضوع، وركز على ما جرى للسفارات، وأعتبره من دلائل همجية المسلمين وتخلفهم، وربما كانت النتيجة أفضل كثيراً لو أن الجماهير توجهت إلى مقار السفارتين في عواصم العالم الإسلامي، حاملة لافتات التنديد والاحتجاج، وقدم مسؤولون عنها رسائل مكتوبة إلى الدبلوماسيين في البلدين، عبروا فيها عن مشاعر الاستياء والغضب، وطالبوا بالاعتذار الصريح للمسلمين عما جرى، ثم انصرفوا بعد ذلك في هدوء.
ذلك لم يحدث للأسف، الأمر الذي ينبهنا إلى ان الثقافة السائدة لم تستوعب لا فقه انكار المنكر كما تعلمناه في الإسلام، ولا أساليب النضال المدني وفنونه التي تقدمت كثيراً في عالمنا المعاصر، فقد تعلمنا أن للانكار درجات، كما أن له أصولاً وقواعد، منها مثلا أن يؤدي الانكار إلى تحقيق المراد، وأنه لا يتسبب في وقوع منكر أشد منه وأكبر، وهو ما لم يحدث في الحالة التي نحن بصددها، حيث تناقلت وسائل الإعلام العالمية صور السفارات الدنماركية وهي تحترق، في حين تجاهلت الصور التي أهانت نبي الإسلام وأثارت ثورة المسلمين.
من ناحية أخرى، فإن جوهر النضال المدني يقوم على فكرة استخدام الأساليب السلمية التي تحترم القانون في إيصال رسالة الاحتجاج والغضب، وقد أشرت تواً إلى مسألة التظاهر السلمي، التي هي أبسط تلك الأساليب، التي سبقتنا إليها الممارسة في الديمقراطيات الحديثة، لكننا تخلفنا في هذا الباب، لأنه ليست لدينا ديمقراطيات تفرزها!