هذا، وصلى الله وسلم على محمدٍ خاتم الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.
مقام نبي الإسلام بين الدانمارك والجامعة الأميركية
عبد الصبور شاهين
جريدة الشرق الأوسط - العدد 9909
منذ أن أذاعت الأنباء خبر ما جرى في الدانمارك، من جرأة وقحة على مقام رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ومحاولة تشويه صورته، والتشنيع على سيرته، وذلك من دون مقدمات، ـ كان هنالك سؤال يلح على ذهني إلحاحاً شديداً، وهو: ما الذي يدعو الإعلام في دولة شديدة البعد عن العالم الإسلامي ـ إلى أن يسيء إلى شخصية فريدة، يقدسها ربع البشرية، ويؤمنون بها؟ رغم أنه لا توجد علاقة جغرافية بين الدانمارك والعالم الإسلامي، ورغم أنه لم يسبق أن اشتعلت مشكلة، من أي نوع، بين الدانمارك وأية دولة عربية أو إسلامية؟
لم يطل بي وضع الذهول أمام هذه المشكلة، فمن المؤكد أن ما حدث هو جزء من مخطط يستهدف الإساءة إلى الإسلام، وتعكير جو العلاقات الصافية بين العرب والمسلمين من ناحية، ودول شمال أوروبا من ناحية أخرى، وهو مخطط لا يبعد كثيراً عما يحدث في أجزاء كثيرة من العالم، وبخاصة في الولايات المتحدة، وفي جنوب ووسط أوروبا، حيث تحاول القوى الصهيونية المعادية للإسلام أن تشوه سمعة المسلمين، وتدمغ الدين الإسلامي بتهمة الإرهاب، استمراراً للأسلوب الأميركي الذي جعل من هذه التهمة الكاذبة ذريعة إلى شن الحرب الظالمة الراهنة ضد العراق، بما يترتب على ذلك من تهديد لحياة الملايين من العرب والمسلمين، في دول أخرى مثل: سوريا، وإيران.. وذلك لأسباب واهية، مختلقة!
والسبب الواضح لشن هذه الحروب هو ـ من دون شك ـ خدمة الكيان الصهيوني، بإغراق الدول العربية والإسلامية في حروب مفروضة عليها، تعمل على تخريب الكيان السياسي والاقتصادي لتلك الدول، في حين تزدهر دولة إسرائيل، فكل ما يشغل القوى الغربية الآن هو العمل على تدعيم الوجود الصهيوني في فلسطين، تمهيداً لإحكام قبضة ذلكم الوجود على مصير العرب والمسلمين في المنطقة.
ولا بد أن نعترف هنا بأن جهود أعدائنا تعمل دائماً على اختراق حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأخيراً الدينية، بزرع التناقضات التي ينمو بها جو القلق والاضطرابات، وبحيث لا تكاد دول المنطقة تلتقط أنفاسها، أو تعيد ترتيب أوضاعها، فنحن دائماً غرقى في مشكلات فرعية، انفصالية أو اتصالية، وهي حال لا ينشأ فيها حوار بين الإخوة والجيران.
ولننظر ما جرى أخيراً من وقائع مشكلة المهاجرين السودانيين إلى مصر، وكيف خططت لها هيئات دولية، بحيث تحدث مواجهة أمنية تؤدي إلى ما حدث من وقوع ضحايا، كان من أثرها تعكير العلاقات بين المصريين والسودانيين!
مع أن مصر كانت ولازالت حريصة على المصالح السودانية!
فإذا أضفنا إلى ذلك أن رد الفعل عندنا تجاه الأحداث التي يقصد بها إثارتنا وتعويق مسيرتنا ـ يتسم دائماً بالبطء والبلادة، وإذا ما قورن بما يبديه العدو من نشاط وتحد ـ تضاعف إحساسنا بالذنب، وتزايدت حيرتنا من الصمت البليد الذي تمارسه مؤسساتنا التي يفترض أن تهب للدفاع عن مقدساتنا.
وما حكاية الإساءة الدانماركية إلا مثال لحكايات كثيرة، تمر بنا من دون مبالاة أو نهوض للدفاع عن مقدساتنا.
وقد كان المفروض أن تنهض مؤسساتنا الدينية للرد على وقاحة الإعلام الدانماركي، وأن يشتعل جو العلاقات بين الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية، وبقية الهيئات العامة التي تحمل أمانة الدعوة الإسلامية!
ولكن إعلامنا لم يتحرك إلا على مستوى استفتاء بعض الشخصيات العامة في ما يتعلق بإبداء رأيها في إساءة بعض الصحف الدانماركية إلى شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتشويه سيرته.
وتساءلت في نفسي: ما قيمة أن يبدي شخص ما رأيه في هذا الحدث الغريب؟ ونحن أمام وقاحة لا يخفى تأثيرها، أو الهدف منها، طعناً في الإسلام، وإهانة لنبي من أكرم الأنبياء، بل هو أكرمهم بإطلاق.
إن الهدف الذي ترمى إليه تلك المحاولات الدنيئة هو مواجهة زحف الدعوة الإسلامية على أرض الواقع في دول الشمال الأوروبي! ولقد أبلغني أحد الناشطين الإسلاميين في تلك المنطقة، وبخاصة السويد ـ أن الإسلام يتمتع هنالك بسمعة طيبة، واحترام عميق، وذكرني أن كثيرين من أبناء السويد يعتنقون الإسلام، باعتباره الدين الوحيد الذي يحترم عقل الإنسان، ويصون كرامته.
وذكر لي أحد المسلمين الألمان أنه دخل في الإسلام بعد أن قرأ الآية القرآنية التي تقول: «لا إكراه في الدين» ، فأيقن أن نفي الإكراه في الدين لم يكن معروفاً قبل أن يعلن القرآن الكريم هذا المبدأ، الذي يحترم عقل الإنسان، ويصون كرامته، وأنه ـ لن يمر القرن الحالي حتى ينتشر الإسلام في أوروبا كلها، بفضل تقدم دعاة أوروبيين، يحملون لواءه، ويوقدون شعلته.