في بداية الأمر توحي الأحداث أن الأمر غير مخطط له، ولكن تفاعلات الأمر وحيثياته وتداعياته دلت على أن هناك شيئاً كان يخطط في خفاء ويراد له. بداية الأمر كانت أن كاتباً دنماركياً كتب كتاباً عن الإسلام وعلى طريقة الغربيين أراد الترويج لهذا الكتاب بطريقة لافتة وجذابة، فأسعفته قريحته أنه لو وضع على الغلاف صورة للرسول محمد _صلى الله عليه وسلم_ ربما راج الكتاب وازدادت مبيعاته، فخاطب أحد الرسامين يطلب منه أن يتخيل له محمداً ويرسم له صورة لتكون غلافاً، والمفاجأة أن أكثر من رسام من أهل الدنمارك امتنعوا خوفاً من غضبة المسلمين، إذ إنه قبل مدة قُتل مخرج سينمائي في هولندا أخرج فيلماً يسيء للإسلام، فربما خشوا على أنفسهم من هذه العاقبة، وانتشر الأمر أن هناك رسامين خافوا أن يعبروا عن آرائهم.
وصل الخبر إلى مدير تحرير صحيفة يولاند بوستن، الذي أزعجه الأمر وعدّه كتماً للحريات، وبالمناسبة صحيفة يولاند بوستن هي صحيفة الحزب الحاكم في الدنمارك، وتنطق باسم رئاسة الوزارة، وهي صحيفة موثوقة عند الدنماركيين وواسعة الانتشار تضاهي المجازين ونيويورك تايمز، ومبيعاتها في اليوم أكثر من مليون نسخة، والدنماركيون بالذات والدول الاسكندنافية يصدقون الإعلام بشكل جدي وقوي،يعني لا يفكرون أبداً مع وجود الإعلام ويصدقونه في كل ما يبلغهم به. فانبرى هذا الرجل _كما يقول_ غيرة على الديمقراطية وعلى الحرية، انبرى لكيلا تصاب الحرية في مهدها وتضرب الديمقراطية في أرضها، وأنه لا ينبغي أبداً لأحد أن يخشى من أن يعبر عن رأيه في أرض الحريات وفي أرض الديمقراطية، فقام هو وتولى كبر مسألة الدفاع عن هذه التصورات الخاطئة، وأنه يحق لمن شاء أن يفعل ما يشاء دون حدود! فخاطب 40 رساماً في الدنمارك يطالبهم، وربما عبر مسابقة ووضع حوافز برسم صورة متخيلة لمحمد _صلى الله عليه وسلم_ على الطريقة التي يشتهون وبأي طريقة يشاؤون وضمن لهم أنه سينزلها في الصحيفة من غير تحفظ، فأجابه 12 رساماً، وأرسلوا له صوراً - موجودة لدينا - وهي صور شنيعة تدل على رداءة في التفكير وعلى انحطاط حقيقة في المستوى. أحياناً صور لا تدل على شيء أبداً وغير مفهومة , وبعضها لا تدري ما يراد منها، وأحياناً بابا نويل للمسلمين، وأحياناً رسوم تشكيلية غير مفهومة وأخرى قبيحة (راجع شرح الصور في موقع المسلم) ، وهي صور مقذعة مقرفة، ولولا ضرورة تعريف المسلمين بهذا المستوى الساقط من التعابير ما كان ينبغي لها أن تنشر أصلاً أو يتكلم عنها.
نشرت الصور قبل رمضان بخمسة أيام كلها، وبقيت الصور تنشر على مدى سبعة أيام متوالية إلى بداية رمضان، أي يكرر كل يوم نشر نفس الصور، ثم دعمت الصور بمقال لرئيس التحرير مترجم لدى الموقع، وكلما جاء مشاركة جديدة من رسام جديد كان يلحقها في اليوم التالي وهكذا، وبيّن أن السبب الذي دفعه إلى نشر الصور بمقال دبجه ذكر فيه أنه يريد أن يكسر ويحطم كبرياء المسلمين، وأنه لا ينبغي أن يكون هناك شيء غير قابل للنقد، وأنهم مثلهم مثل غيرهم من الأمم، وعليهم أن يقبلوا النقد سواء بطريقة مرسومة أو بطريقة مكتوبة، وزعم أن المسلمين أو عوام المسلمين أكثر من يقبل النقد لكن المشكلة في قساوسة المسلمين _على حد تعبيره_ ويقصد العلماء والشيوخ الذين يحتكرون موضوع قدسية القرآن الكريم _كما يزعم_.
· ثم ماذا حدث بعد ذلك.. هل نُشرت الصور؟
نشروا الصور وكانت الطريقة تبدو كأنها غير مبرمجة، لكن اكتشفنا أنها كانت مبيتة أو كان هناك مخطط مبيت من خلال بعض الرسوم التي تحكي ردة فعل المسلمين وكيفية الرد عليها، وهذا يدل على أن المسألة كان مخططاً لها وهي تدرس ردات الفعل ويحضر للجواب عنها، وكانت ردة فعلنا الأولى من الدنمارك، الإخوة في المراكز الإسلامية والأوقاف الإسلامية والمنتديات والمساجد والجمعيات تنادوا وبدؤوا يتدارسون كيفية الرد على هذه الحملة المسعورة، وذلك في اليوم التالي للنشر مباشرة، وشكلت لجنة لنصرة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وتشكلت هذه اللجنة من غالب المؤسسات الإسلامية العاملة في الدنمارك.
· لماذا الدنمارك؟ معروف أن الدنمارك دولة صغيرة، وأنها مسالمة، فما هو في تصوركم السبب في أنها قامت بهذا الفعل ولم تكن دولة أخرى من الدول الأكثر جفاء للإسلام، ماهو تفسيركم لذلك؟
الدنمارك في سياستها تبع لأمريكا، ولها قوة في العراق وهي تنفذ ما يملى عليها في السياسة الأمريكية الخارجية والداخلية مباشرة، وينعكس على الدنمارك كل ما يطبق في الأمن الأمريكي ويطبق مباشرة على الجالية المسلمة - خاصة أنها أقلية- فالتأثر بالهجمة الأمريكية شديد وقوي ومشترك.
· هل تتوقع أن هناك صلات أو ترتيبات خارج الدنمارك شاركت في هذه الحملة من بعض الدول أو الجهات؟ أم أن الأمر كان داخلياً بحتاً؟