أيّها المسلِمون، تبصُّرًا في أغوارِ التأريخ واستِكناءً لِحِقَب الحضَارات يُلفي المتأمّلُ أممًا لفّها ظلامٌ من الاستبدادِ مطبقٌ مُريع، بيدَ أنه يحمل في طيّاتِه نورًا يُرتقَب وأمّة في سموِّها تُزاحِم الشُّهُبَ. فها هي الرسالةُ المحمّدية العالميَّة -على صاحبِها أفضلُ الصلاة وأزكى التّسليمات- تترَى بُكرةً وعشِيًّا، يُصيخ بلهفٍ لها الزمان، وها هو فجرُ الأمّة الإسلامية يشرِق في كلّ مكان، وتتفتّح لها غِلَق الأَذهان، ويرِفّ ببركتِها وعظمتها كلُّ جَنان، قد حمَلت هذه الرسالةُ الخيرَ كلَّه والبرَّ دِقَّه وجِلّه والهدى أجمَعَه والعَدلَ أكتَعَه؛ فبِالإسلام أشرَق التأريخ، وبهديِ سيّد الأنام عرفتِ الإنسانيّة معنى وجودِها، وعلى هدي مُثُلنا وقِيَمنا رتقَت الحضاراتُ صدعَها ولمَّت شعَثَها، لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164] .
ولا يزالُ هذا الغيثُ الصيِّب المنهمِر يفتح المجاهِلَ بلا هَادٍ، ويعبُر القارّات دونَ اتِّئاد، ولقد اقتَضَت حكمتُه سبحانَه أن يكونَ المبلِّغ الأمين عن ربّ العالمين الرحمةُ التامَّة والنّعمَة العامّة محمّدَ بنَ عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه، النّبيَّ الرؤوفَ الرحيم الوَصول، زاكيَ الفروع وساميَ الأصول، وكان الهَمُّ الذي بخَع نفسَه استرقَّ حِسَّه -يا أمّة الإسلام- انتشالَ البشريّة مِن مَومَات البغيِ والعنصريّة والأوثان إلى مَغاني العدل والرحمة والإحسان، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] .
ولا تَزال عظمةُ رِسالته وخَصائص نبوّتِه ميدانًا فسيحًا للمتأمِّلين ومَنهلاً رويًّا للبَاحثين المنصفين، كما هي نديَّةٌ نضِرة على الدوام، بل كلّما تمكّن الصّراع بين الحقّ والبَاطل -وها أنتم تعايِشونه- ازدادت عَبقًا واخضِرارًا.
معاشر المسلمين، أحبابَ سيِّد المرسلين، وهَذا النبيّ الأمّيّ الزّكيّ الرّضيّ مبشَّرٌ بصفاتِه البلجاء وشريعته الغَرّاء من قِبَل إخوانه الأنبياء والمرسَلين، يقول سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157] .
فَيا عَجبًا! كيف يجحَد ذلك الجاحِدون ويَلغ فيه المستَهزِئون؟! وليس ذلك فحَسب، بل إنّ هَديَه عليه الصلاة والسلام هو الجامِع لما تفرّق فيهم من الفَضائل والمحامِد، وشريعتُه ناسِخَة وخاتمةٌ لجميع الملل والشرائع، وقد توعّد سبحانه مِن خدشِ قدسيّة رسالاتِ الله في أشخاص حملَتها ومُبلِّغيها منَ الأنبياء والمرسلين بالعذاب الأليم، وهو محادٌّ كلَّ المحادّةِ لجلال الله وعظمَته، كيف وهم عليهم الصلاة والسلام موضعُ حفاوته واصطفائه لبلاغ وحيه جلّ وعلا؟!
إخوةَ الإيمان، ومن تمام منَّة الكريم الوهّاب أن سوَّر هذا النبيَّ الأوّاب بكرام الصحابة ذوي النخوة والنجابة والفضلِ والإصابَة، أصفياء أَخيارٌ، كُماةٌ أَبرار، على عظمة كلِّ فردٍ منهم تقوم دولة وتنهض أمّة، وحبُّهم لِنبيِّهم أمرٌ تجرِض بِه اللَّهاةُ، وتتقَصّف دونه الأسَلات، سَأل أبو سفيانَ زيدَ بنَ الدَّثِنَّة وهو في الأسرِ قائلا: أنشدكَ اللهَ يا زيد، أتحبُّ أنّ محمّدًا الآنَ عندنا في مكانك تُضربُ عنُقُه وأنت في أهلك ومالك؟ فَرجف زيد قائلاً: والله، ما أحبّ أنّ محمّدًا الآنَ في مكانِه الذي هو فيه تصيبُه شوكةٌ تؤذيه وأنا جالسٌ في أهلي ومالي، فصَاح أبو سفيانَ دهِشَا وقال: واللهِ، ما رأيتُ من الناسِ أحدًا يحبّه أصحابُه كما يحبّ أصحاب محمّد محمّدًا. الله أكبر، زيدٌ أَحبَّ، ففَدَّى الحبيبَ وذبَّ.
تزِن الْجبالَ رزانةً أحلامُهم *** وأكفُّهم خَلَفٌ من الأمطارِ
والباذلين نفوسَهم لنبيِّهم *** يومَ الْهِياج وسَطوةِ الْجبّار
وما ذاك إلاّ كِفاءَ نفسٍ غَنِيَت بالرَّحمة والسِّلم والحبّ والحِلم، وخلصت إلى أعلَى مراتب الصدقِ والطهر والعلم، فلِلَّه ما أعظمَ هذا الدّين، وما أقوى إيحاءَه، ولله ما أكرمَ هذا النبيَّ الجليل وأبهرَ بهاءَه، وما أجلَى هديَه وسناءَه.
لو أطلق الكونُ الفسيح لِسانَه *** لسرَت إليك بمدحِه الأشعارُ
لو قيل: من خيرُ العباد؟ لردّدت *** أصواتُ من سمِعوا: هو المختارُ
عليه الصلاة والسلام.