معاشرَ المسلمين في كلّ الأصقاع، إخوة العقيدة في كلّ البقاع، يُذَكَّر بذلك -أيها المحبون- في هذه الآونة الأخيرةِ التي غشّى الكونَ فيها لَيلٌ ثقيل، ولفَّه صَمتٌ مكدودٌ عَليل، وتصدّع فجر المسلِمين عن فاجعةٍ تأريخيّة سَفعاء، حيث نعَبَت أصوات بالإفكِ والبهتان، وجرت أقلامٌ في أودية الزّور والضلال والعصيان برسوماتٍ حاقدةٍ ماكرة، تنهدّ لها القَامة، وتتزلزل لها الهامَة، لقد استطالوا ويَا ويحهم، وتعَجرفوا ويا ويلهم، فسخِروا من أعظم جَناب وأكرمِ من وطئَ الترابَ نبيّنا محمّد، استهزأ عَثكَلٌ عُمروط برسول رَبّ العالمين ورحمةِ الله للخلائق أَجمعين، إمامِ الأنبياءِ في الأرض وفي السماء، أبرّ الأمم على الإطلاق، وأعظمهم بإطباق، صاحِب المعجزات الظاهرات والآياتِ الباهرات.
سقطت مكانةُ شاتمٍ وجزاؤه إن لم يتُب مما جنَاه النارُ
ربّاه ربّاه، أيَهزَؤون برسول ربِّ الأرض والسماوات؟! أيَهزؤون بسيّد البريّات؟! أيتطاوَلون على الرحمة المهداةِ؟! أيَنتقِصون النعمة المسداةَ؟! إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57] .
لَقد جاءَت تلك النفوسُ الباغيَة التي لَو صُوِّر الرِّجس والخبَثُ كِيانًا لما تَعدّاها، لقد جاءَت شيئًا إدًّا، يخرّ له الكون هدًّا، تبَّت لهم يدًا، وخُفِئوا أبدًا، يَستهزئون ويشتَفون، ويشهِّرون ولا يكتفون، ويتبجّحون بما ائتُفِك ولا يختفون، قال سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:61] ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:3] .
بأبي وأمّي أنتَ دونَك مُهجتي *** في صدرِ من سلقوك أغرِسها مُدَى
ما أنقصوك فأنت أنت أجلّ *** خَلقِ الله منزلةً وأكمل سؤددًا
هيهاتَ أن تطيبَ لنا حَياةٌ، وأنّى نؤمِّل نصرًا أو نجاةً ولم نتقحّم لنصرةِ الهادي الحبيب لجَّةً ولا فَلاة؟! يا لَلبهيسَة وعظيم الفِرية! أين الأعراف الدوليّة؟! أين العالَم بهيئاتِه ومنظَّماته حِيال هذه الجريمةِ النكراء والفعلةِ الشنعاء؟! أين عقلاءُ العالم ومنصفو الإنسانيّة حِيال هذا الاستهزاء؟! أين المواثيق العالميّة التي تصدُّ هذا البهتان والافتراء؟!
فيا أمّة المِليار، ماذا قدّمتِ لنصرةِ المصطفى الحبيب المختار؟!
إنّا ليؤلِمُنا تطاوُلُ فاجرٍ *** ملأت مشاربَ نفسه الأقذارُ
ويزيدنا ألمًا تَخاذلُ أمّةٍ *** يشكو اندِحارَ غثائها الْمليارُ
إنّ دُوَل الإسلامِ وما فوقَها وما دونها أطرافَها وحُصونها والغبراءَ سهولَها وحُزونَها يجرّمون هذا الفعلَ الأثيم، ويستفظعونَ هذا الجرمَ اللئيم. وإنّنا نوجِّه ألهبَ النداء من منبر المسجد الحرام من منشَأ رسول الإسلام ومبعثِه ومَرباه، ونَستَصرخ باسمِ المسلمين جميعًا مُطالبين بإيقاعِ العقوبات المغلَّظةِ دونَ هوادةٍ على المستهزئين بالجناب المحمّديّ والمقام المصطفويّ، بُؤبؤِ العيون، المنزّهِ عن كلّ وصمة ودون، وكلِّ من واطأ الباغي وأعاد نشر تلك الرسوم؛ كي تُصانَ شرائع السّماء وتعظَّم مقاماتُ الأنبياء في كلّ زمان ومكان، مع المطالبة بتفعيل القراراتِ الدولية التي تَدين وتجازي تلك الجرائمَ والمخازي. لا بدَّ من تطبيق المواثيق العالميّة والقرارات الدولية التي تحاكم كلَّ مَن يتجرَّأ على الله ورسلِه وأنبيَائه ومُقدّساته، وتقاضي كلَّ من يتطاول على الشرائع والرسل والمقدّسات.
إنّ هذا الهزءَ والإدقاعَ عبرَ الشبكات والصّفحات -وأيمُ الله- لو قوبِل به غيرُ نبيِّنا لأراق فيهِ أحبابُه أنهارًا من الدّماء، ولكان لهم مُنّةٌ من برهان وحجّة من سُلطان، فما بالُنا بأعظم الأنبياء قدرًا وأفضلِهم فضلاً وأعلَمهم بالله وأكرمهم على الله محمّدٍ خيرِ الأنام عليه من ربّه أفضل صلاة وأزكى سلام، النبيِّ الأكرم والمصطفى الأعظم، صاحِب المقام الأطهر والسَّنى الأغرّ؟!
هَجوتَ مُباركًا بَرًّا حنيفًا *** أَمينَ الله شيمتُه الوفاءُ
فإنَّ أبي وَوالدَه وعِرضي *** لعِرض محمّد مِنكم وِقاءُ
يقول شيخ الإسلام ابن تيميةَ رحمه الله:"ولا ريبَ أنَّ من أظهر سبَّ الرسول وشتْمَه فإنّه يغِيظ المؤمنين ويؤلمهم أكثرَ ممّا لو سفَك دماءَ بعضهم وأخَذَ أموالهم، فإن هذا يثير الغضبَ لله والحميّةَ له ولرسولِه"، ويقول رحمه الله:"مِن سنّة الله أن من لم يتمكّن المؤمنون أن يعذِّبوه منَ الذين يؤذون الله ورسوله فإنّ الله سبحانه ينتقِم منه لرسوله ويكفِيه إيّاه، وكلّ من شانَأه وأبغضه وعاداه فإنّ الله يقطَع دابرَه ويمحَق عينَه وأثرَه".
ألا فلتعلمِ الأمة جمعاء والعالم بأسرِه أن الله عزّ وجلّ ناصرٌ حبيبَه ومصطفاه وخليلَه ومجتباه، إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة:40] ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:95] .
ما نالَ منك مُنافق أو كافِر *** بل منه نالت ذلّةٌ صَغارُ