ولما مكنه الله تعالى وأظهره لم يطغى أو يظلم أحد ولم يبغ العلو في الأرض وإنما جاهد في الله حق جهاده، وبذل نفسه في سبيل ذلك، وسنَّ في ذلك سننًا هي في غاية العدل والكمال، فلا ظلم ولا اعتداء ولا إفساد، ولا رغبة في العلو في الأرض بالباطل، ولا رغبة في التوسع على حساب الشعوب، بل كان يدعوهم إلى الله تعالى لا إلى نفسه ولا إلى قومه، حتى كان العربي والعجمي في كنفه سواء، فهذا بلال الحبشي مؤذن لصلاة المسلمين بين يدي رسول الله، وهذا صهيب الرومي الذي ترك ماله لقريش حتى لا يمنعوه من الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: ربح البيع، وهذا سلمان الفارسي الذي يقول فيه الرسول: سلمان منا أهل البيت، وكان يدعو الناس فمن قبل منهم دعوة الله كان واحدا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم من غير تفرقة بلون أو لغة أو جنس، وهذه هي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن خرج مجاهدا في سبيل الله تعالى مما يبين بكل وضوح نبل غاية الجهاد وأنه جهاد لإحقاق الحق وليس للعلو في الأرض أو الإفساد فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم..الحديث"فبأبي أنت وأمي يا رسول الله.
الأمانة في تبليغه صلى الله عليه وسلم الدعوة:
حيثما توجهت مع الرسول الكريم لا تجد إلا الطهر والنقاء، والثبات والقوة، والصدق والأمانة، يبلغ ما أوحاه الله إليه، ولا يُخفي منه شيئًا، حتى لو كان فيما أمر بتبليغه ما يدل على معاتبته على أحد التصرفات، فبلغ قوله تعالى:"عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى" [عبس:1-4] ، قال ابن كثير:"ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديما، فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه، وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر فأنزل الله تعالى:"عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى"، فما انصرف عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وعبس رغبة عنه أو استهانة به، وإنما حمله على ذلك رغبته في إسلام أولئك العظماء، ليعز بهم المسلمون، ومع ذلك فقد بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكتمها."
وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مولى اسمه زيد بن حارثة تبناه الرسول قبل البعثة، وكانت عادة العرب أن زوجة الابن تحرم على الوالد ولو لم يكن ابنا للصلب وإنما كان ابنا بالتبني، وأراد الله تعالى أن يهدم هذا العرف الجاهلي، فلما طُلقت زينب زوجة زيد، شرع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم زواجها ليكون هو أول من يهدم هذا العرف الجاهلي، لكن هذا الأمر كان صعبًا على تلك البيئة لتأصل تلك العادة فيهم، فأخفى صلى الله عليه وسلم في نفسه هذه المشروعية، فقال الله تعالى له في شأن زينب بنت جحش وزوجها حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم:"وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه"فبلغها ولم يكتمها، قال أنس:"جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه، قال فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات"، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمين على وحي الله تعالى، يبلغه كما أنزله الله عليه، لا يزيد فيه ولا ينقص منه."
رحمته صلى الله عليه وسلم بالعالمين: